Monday, October 12, 2015

مع الكتب.. ذاك أفضل جدا

هل أنا قارئة جيدة؟ سؤال وجدته يطرح نفسه عليَّ منذ يومين، حين وجدت بي رغبة شديدة أشبه بالنهم إلي قراءة الأدب العالمي. "وهل لم أقرأ بما فيه الكفاية؟" قلتها لنفسي لكنني لم أجد إجابة، لكنني فعلا اكتشفت أنني –ورغم سمعتي كقارئة جيدة- لم أقرأ لكثيرين، وهؤلاء الكثيرون من أشهر الكتاب العالميين. فهل أنا فعلا قارئة جيدة؟
عندئذ خطر لي أنني طوال حياتي لم أحاول حصر ما قرأت وتحديد مدي تأثيره فيَّ. ووجدت أن هذه فرصة جيدة لمحاولة كهذه، كي أعرف أين أنا.
كانت البداية مجلات الأطفال، خاصة ً ميكي وسمير وماجد والعربي الصغير الكويتية، وهناك أيضًا قصص المكتبة الخضراء التي اشتراها لي أبي، ربما قبل أن أولد. هذه القصص بالذات لا أذكر موقفي منها وأنا صغيرة. ما أذكره بوضوح هو أنني قد استمتعت بشدة حين قرأتها كبيرة. تحديدا وأنا في الصف الثالث الإعدادي، فهل كانت تلك هي المرة الأولي التي أقرأها فيها؟ لا أدري. ذاكرتي لسببٍ ما تأبي أن تساعدني فيما يتعلق بهذه النقطة.
ثم كانت هناك متفرقات أنساها ثم تفاجئني فأندهش أنني بالفعل قرأت الكتاب الفلاني يومًا ما. يعني مثلا طوال حياتي وأنا أعتقد أن أول رواية "كبار" قرأتها كاملة ً هي رواية الهروب الكبير، التي قرأتها مترجمة في بيت جدي وأنا في الصف الثالث الإعدادي، لكنني – من حين لآخر- أتذكر أيامًا كانت أمتع أوقاتي فيها هي تلك التي أستطيع فيها "حشر" نفسي في ركن صغير تكدس حوله الأثاث بحيث صار الوقوف فيه صعبًا وإن لم يكن مستحيلا. ذلك الركن كان الموضع الوحيد الذي أستطيع منه الوصول إلي القسم السفلي من أقسام دولاب الملابس، وفتح بابه المحشور في الحائط، بصعوبة طبعا، وإخراج ما تيسر من كتب كنت أعتبرها- دون غيرها- كنوزًا. والسبب في المكانة الخاصة التي كانت تلك الكتب بالذات تتمتع بها هو بالطبع كونها غير شائعة وتحت سمعي وبصري طوال الوقت كغيرها. إنها كتب مصونة لذا ما فيها جديد نسبيًّا. كم كانت فرحتي حين اكتشفت أن ذلك القسم من الدولاب، والذي لا يمكن الوصول إليه إلا بشق الأنفس- يحوي كتبًا لا ملابس. من بين هذه الكتب كانت كتابا لتوفيق الحكيم يحكي فيه قصص ونوادر أشعب. أنا لا أعلم ما الذي يدفع توفيق الحكيم للكتابة عن أشعب. كل ما أعرفه أن توفيق الحكيم واحد من كبار الكتاب الذين أعرف أسماءهم وصورهم جيدًا لكن يستحيل عليَّ فهم ما يكتبون، تمامًا كنجيب محفوظ وطه حسين والعقاد ومحمد عبد الحليم عبد الله وسكينة فؤاد وغيرهم كثيرين. وأشعب أعرفه جيدًا من برامج الأطفال ومجلة سمير والعربي الصغير وماجد. فهل توفيق الحكيم يكتب للأطفال مثلا؟
لكنني مع ذلك سعدت كثيرًا جدا بالكتاب. لأنني اكتشفت أنه يحتوي قصصا فعلا وليس في المسألة أية خدعة. لكن المشكلة أن القصص مكتوبة بلغة لا أفهمهما. إنها العربية لكنها عربية تختلف كثيرا عن عربية مجلة العربي الصغير وماجد وميكي وسمير، فما العمل؟ لا شيء. لا يمكن أن ألجأ في كل لحظة لأمي أو أبي كي يشرحا لي معاني الكلمات، فلو فعلت فإن ردهما سيكون الرد الطبيعي والمتوقع في مثل هذه الأحوال. سيقولان إن الكتاب غير مناسب لسني وأن عليَّ أن أتركه حتي يحين وقته ، وأنا لا أريد هذا.. لا أريد أن أتركه حتي يحين وقته. أنا دائمًا متعجلة حين يتعلق الأمر بالمعرفة. لذا بدأت أقرأ الكتاب معتمدة ً علي نفسي تمامًا في تخمين معاني الكلمات التي لم أكن أعرفها، وما أكثرها. واكتشفت أن القراءة يمكن أن تتم وتتحقق معها درجة لا بأس بها من الفهم رغم عدم استطاعتنا فهم كل كلمة مما نقرأ، والدليل أنني فشلت في فهم أغلب الألفاظ التي استعملها الحكيم في ذلك الكتاب ومع ذلك فقد توفر لي قدر من متعة القراءة بالرغم من كل شيء. من الكلمات التي أذكر أنني قرأتها ولم أفهمها كلمة "شص" والتي عرفت- من السياق- أنها أداة تستخدم في الصيد، ربما كانت الصنارة كلها أو جزء منها، لم أعلم، لكن المهم أن ذلك لم يحُل دون استمتاعي بالقصة. كانت هناك أيضًا أسماء أكلات كثيرة جدا، بما أن القصة عن أشعب، لكن لم يكن من بينها أكلة واحدة نعرفها كمصريين في العصر الحديث. أنها أكلات غريبة لا تبدو أسماؤها عربية حتي، وتمتلئ ألفاظها بحروف الذال والجيم والنون وتبدو سخيفة ومضحكة. كان هناك أيضًا الشعر الكثير نوعًا ما والذي ضمنه الحكيم كتابه في صورة أغان ٍ ترددها القيان، والعجيب أنني كنت أفهمه نوعًا ما أو علي الأقل أستطيع قراءته والحفاظ علي موسيقاه في القراءة حتي وإن تعذر الفهم. كانت هناك أيضًا كلمة "زنديق" والتي لم أفهم معناها وظننت أن معناها "مرتكب الزنا" مثلا. وكانت هناك التراكيب نفسها والتي تبدو غريبة وبعيدة كل البعد عن العربية كما نعرفها اليوم، وكأن الحكيم قد أخذ القصص كما هي من كتب التراث. فهل كان فعلا مجرد جامع ولم يقم بصياغة القصص؟ ولماذا؟ لا أدري لكن رغم كل شيء لا أستطيع أن أنكر أنني كنت سعيدة بتجربة قراءة هذا الكتاب وإتمامه إلي آخره. كنت أشعر أنني كالكبار، أقرأ كتبًا طويلة وأنهيها أيضًا مثلهم.
كانت هناك أيضًا – في نفس المكان حيث وجدت هذا الكتاب- كتب سين وجيم وهي سلسلة تتضمن أسئلة في المعلومات العامة تختار إجابات لكل منها من بين ثلاثة اختيارات، ثم تقرأ الإجابة الصحيحة في نهاية الكتاب،كما كانت تضم طرائف ونوادر عربية في الغالب، وألغاز شعرية وأشياء من هذا القبيل. كانت تلك الكتب- كما عرفت من أبي- هي تجميع لحلقات برنامج خليجي يحمل نفس الاسم، وكان أبي يعتز بها كثيرًا باعتبارها مصدرًا رائعًا للمعلومات، وانتقل إليَّ هذا الاعتزاز فاعتبرت أن تلك الكتب هي كتب مهمة جدا، وكم استمتعت بقراءتها ومحاولة اختبار أمي وأقاربي وإخوتي اعتمادًا علي ما فيها من أسئلة وإجابات، لكنني وبعد أن كبرت اكتشفت أن الكتب لم يكن لها تلك المصداقية التي ظنناها، فقد عرفت أن كثير من الإجابات التي وضعها مؤلف الكتاب لم تكن دقيقة، وبعضها لم يكن صحيحًا علي الإطلاق. أذكر مثلا سؤالا عن "جنسية" قارون الذي نراه في القرآن مع نبي الله موسي عليه السلام. كان الكتاب يورد عدة اختيارات ثم يقول إن الإجابة الصحيحة هي أن قارون هذا كان تاجرًا غنيًّا من ليديا بآسيا! وهو ما يعني أنه لم يكن من قوم موسي كما يذكر القرآن؟ أشياء كثيرة من هذا القبيل زرعت في نفسي الشك تجاه ذلك الكتاب، لكن ذلك لم يحدث سوي مؤخرًا، أما في الأيام الأولي لاكتشافي له فقد كان بالنسبة لي كنزًا لا يقل أهمية عن كتاب أشعب.
كانت هناك أيضًا أعداد مجلة المختار التي كانت متوفرة إلي حد جميل، سواء في منزلنا أو في بيت جدي، والواقع أن أبي كان صاحبها في الحالتين، إذ كان يشتريها وهو لا يزال طالب، ثم نقل جزءًا منها إلي منزلنا وبقي جزء منها في بيت جدي. كانت هذه الكتب مصدرًا رائعًا للمعرفة لكنها أيضًا لم تكن مجرد مصدر للمعرفة. كانت غذاءً متكاملا للخيال، بكل ما فيها، إذ كان كل ما فيها يوحي بانتمائها إلي عالم آخر غير عالمنا، وقد بدا هذا العالم مثيرًا تمامًا ككل ما نسمع عنه ولا نراه ونعيشه. أذكر أن المجلات التي كانت في بيت جدي كانت تبدو أقدم من الأخري التي كانت لدينا نحن، وأن مجلات بيتنا كانت تغلب عليها العربية اللبنانية، تلك اللغة التي كنت أعرفها من الكارتون، فكنت أقرأ فيها كلمات مثل البوظة والنقانق والمرآب وغيرها، أما مجلات بيت جدي فكانت مجلات مترجمة وحسب.. مترجمة إلي العربية المصرية، لا مشكلة. في كلتا الحالتين لم أكن أقرأ المجلات "من الجلدة للجلدة" بل كنت أختار من الموضوعات ما أجده جذابًا، وكانت أكثر الموضوعات جاذبية أقصرها، وهي تلك النكت والنوادر التي كانت المجلة تنشرها في هوامش الصفحات، وهي نوادر غير مضحكة في الغالب وهي أكثر ما يشي بانتماء المجلة إلي عالم مختلف عنا في كل شيء حتي فيما يضحكه، لكنها مع ذلك كانت لذيذة لغرابتها تلك. كما كنت أقرأ الموضوعات الأشبه بالقصص، والتي تصاحبها رسوم جميلة. كنت أسعد جدا حين يقع في يدي عدد من المجلة ينتهي بملخص لرواية، فقد كانت المجلة تختتم عادة ً بباب اسمه "كتاب الشهر" وهو عبارة عن ملخص يضعه المحرر لكتاب قرأه، وقد يكون الكتاب رواية، لكنه أيضًا قد يكون كتابًا سياسيًّا مملا عن الحركات التحررية في أفريقيا أو جواسيس الحرب العالمية، إلخ. ولم يكن حظي جيدًا دائمًا فيما يتعلق بكتاب الشهر، فنادرًا ما كان رواية، وحتي الأعداد النادرة التي كانت تنتهي بروايات لم تكن تنشر الرواية كاملة بل تلخصها في هيئة حلقات، وبالتالي كنت أقرأ حلقة من روايةٍ ما ثم أبحث عن العدد التالي مباشرةً فلا أجده. شيء سيء فعلا أن تضطر إلي التسليم بأنك لن تعرف أبدًا ما سيحدث للأبطال بسبب صدفة.. صدفة أدت بالعدد التالي إلي الانتهاء في صفيحة قمامة، أو صدفة أجبرت أبي علي التأخر قليلا عن موعد بائع الجرائد فكانت النتيجة أن كان العدد من نصيب قارئ آخر.
خطرت لي حالا فكرة.. لماذا لا أعد قائمة بكل الكتب التي قرأتها في حياتي؟ مشروع ضخم وطموح لكنه يستحق لأنه يذكرني من أنا.. وربما أفادكم أيضا.. أو أمتعكم.. أو ذكركم من أنتم.. أو جعلكم تكتشفون أننا متشابهون.. هذه قائمة بالكتب التي قرأتها في حياتي (متجددة بالطبع):
1- جان كريستوف- مترجمة عن العربية، واكتشفت أنها مختصرة وأن العمل الأصلي طويل جدا، لكن الترجمة كانت رائعة ( فيما يتعلق بالأسلوب العربي)، والطبعة جميلة فيها شاعرية ربما كان للقِدَم سبب كبير فيها. كانت من إصدارات كتاب الشعب وعلمت من أمي أن جدي كان يقوم بتجميع كوبونات من جريدة ما ثم يرسلها للجريدة فترسل له كتب الشعب، والتي كان منها- بالإضافة لجان كريستوف- صحيح البخاري وكتب للإمام محمد عبده وموسوعة عامة وكتب للطهي والتفصيل والهوايات وكتاب اسمه قصة العالم علي ما أذكر. جان كريستوف  كان الحب الأول. عندما تطرق باب المراهقة للمرة الأولي فلا غني عن العاطفة، ويستحسن ألا تكون مبنية علي واقع فالخيال أجمل وأبقي. هكذا كانت قراءتي لجان كريستوف ليست قراءة لرواية أحبها عن الموسيقي – التي أحبها أيضًا- وحسب ، بل رواية تغذي خيالي. كان أحب المشاهد إلي قلبي ذلك الذي يتعرف فيه جان الصغير الفقير الموهوب والمسؤول عن أسرته  علي مونا  المدللة المتعجرفة العنيدة ويجد حب الطفولة الطريق إلي قلبيهما إلي أن تكتشف الأم فتتولي مهمة تنفير ابنتها من جان، والتي تؤدي إلي القطيعة بينه وبين مونا وذلك الاعتزاز الشديد بالنفس الذي ميزه طوال حياته. كنت طوال قراءتي للرواية أتربص بمونا وأبحث عنها بين الصفحات وأعلم أنها ستعود.. ستعود بعد أن يكبر جان ويصير أشهر موسيقيي عصره، وربما سامحها وربما رد لها الصاع صاعين، لكنها لم تعد أبدا.
2- الهروب الكبير: وكم كنت فخورة بنفسي حين أتممتها وأنا أستعد لدخول الصف الثالث الإعدادي، وكنت فخورة أكثر لأنها لا تنتمي لنوعية الكتب التي أقرؤها فهي –وإن كانت كتاب مغامرات- فهي عن الحرب أيضًا وأنا لم أكن أعتبر كتب الحرب مناسبة لي في هذه السن وللآن لا أعتقد أنها مناسبة لي، لكن الرواية فعلا أعجبتني.
3- ذهب مع الريح: جزء واحد فقط هو الذي قرأته، مترجما، ذلك أن الجزء الثاني كان مفقودًا، وإن ظل جدي رحمه الله يؤكد لي أنه موجود في مكانٍ ما، لكنني لم أجده أبدًا. اعجبتني الرواية التي كنت أسمع عنها وعن فيلمها كثيرًا. للآن لم أقرأ الجزء الثاني. ربما لاحقًا.
4- كتاب لا أذكر اسمه استعرته من مكتبة مدرستي الثانوية. ربما كان أول كتاب غير قصصي أقرؤه في حياتي. كان كتابا سياسيا إذ كان بقلم فتحي رضوان وكان يحكي فيه أحداث ثورة يوليو ثم الأحداث الهامة في فترة حكم عبد الناصر وعلي رأسها تأميم القناة من أجل بناء السد العالي. كنت أشعر بمتعة كبيرة وأنا أقرأ الكتاب لكنني كنت أجد صعوبة كبيرة أيضا في تذكر كل التفاصيل، بعكس قدرتي الكبيرة  جدا علي تذكر تفاصيل الروايات، فقد كان مجال القراءة السياسية نفسه غريبًا عليَّ وكنت معتادة في الأساس علي الحواديت بشكل أو بآخر. الكتاب كان مكتوبا من وجهة نظر الثورة وبالتالي فلم يكن هناك مجال لأية روايات مضادة، وبالطبع كان هذا يلائمني في مرحلة البراءة تلك حيث لم أكن أسائل أغلب ما تؤمن به أسرتي وعائلتي، وعائلتي تؤمن بأن عبد الناصر ملاك وبالتالي فأنا أؤمن بنفس الشيء. لكن بوجه عام الكتاب كان ممتعًا وملائما لروح الوطنية البريئة الساذجة التي كانت تملؤني في ذلك الوقت، وقد قرأته بعد مشاهدتي لفيلم ناصر 56 الذي كان يعرض في السينما وقتها وكانت روحي المعنوية مرتفعة جدا بسبب جرعة الوطنية هذه.
5- رواية الحرافيش: قرأتها في مرحلة المكتبة المركزية، والتي أدين لها بفضل توفير الكثير من الكتب التي لم أكن لأعرف عنها شيئًا لولا هذه المكتبة العظيمة بالرغم من كل شيء. كانت المكتبة عتيقة من كل النواحي.. مبناها عتيق يبدو للداخل إليه وكأنه يوشك علي الانهيار، وموظفوها تجاوزوا مرحلة الشباب بكثير، وبعضهم أيضًا تجاوز مرحلة الشيخوخة بكثير، مثل الأستاذة صوفي التي أعتقد أنها لابد قد توفيت. رحمها الله علي كل حال. أما عن الكتب فحدث ولا حرج. روائع لا يعيبها سوي أنها بالفعل تنتمي قلبا وقالبا لزمن ولي، وأنا هنا لا أتحدث عن المحتوي وإنما أتحدث عن الطبعات. أذكر أن بعض الكتب الإنجليزية كانت مطبوعة في العام 1813 علي ما أذكر. وكانت أوراقها صفراء لها رائحة مميزة.. رائحة الكتب القديمة مضافًا إليها رائحة الرطوبة ورائحة القصص التي كان يحلو لرواد المكتبة أن يخطوها بأقلامهم فوق بعض الصفحات، وفي الهوامش وعلي الأغلفة من الداخل. لم تكن قصصا بالمعني المعهود وإنما نوع من إثبات الوجود علي طريقة "فلان كان هنا" أو "علانة مرت من هنا" فهم عادة ً يكتبون أسماءهم كاملة ً أو يكتفون بكتابة أسمائهم الأولي وحسب، تاركين لخيالي مطلق الحرية في تصور هويتهم. والغريب أنني لم أكن أتصور شيئًا وإنما كنت أطرح أسئلة وحسب. كنت أظل أسأل نفسي من هؤلاء؟ وهل هم فعلا رواد المكتبة أم هم أصحاب الكتب في عصور قديمة.. أشخاص امتلكوا تلك الكتب ثم قاموا، أو قام أقرباؤهم، بالتبرع بها إلي المكتبة؟ كان يحلو لي بالطبع أن أتصورهم منتمين إلي عالم قديم غير عالمنا.
المهم أن رواية الحرافيش كانت موجودة بالمكتبة المركزية في طبعة قديمة جدا، وقد أخذتني أخذا إلي عالمها شأنها في ذلك شأن أغلب روايات نجيب محفوظ, أسلوبها الأقرب إلي الشعر أسرني، وأحداثها الغريبة أرقتني، وواقعيتها الشديدة- رغم عالمها الساحر الأسطوري- أحبطتني، فقد كنت طوال الوقت أنتظر أن تنصلح الأحوال علي يد أحد أحفاد الناجي، أو كنت أبالغ في الأمل فأتخيل أن يعود الناجي نفسه بكيفية ما ليعدل ما مال ويملأ الدنيا عدلا بعد أن امتلأت ظلما وجورا إلا إن نجيب محفوظ رحمه الله قد أصر علي أن يلتزم الأمانة ويلتزم بالواقع فيجعل الحال ينتقل من سييء إلي أسوأ. نفس الشعور بخيبة الأمل راودني وأنا أقرأ رواية أخري سيأتي ذكرها لاحقا هي مائة عام من العزلة لماركيز، لكن ماذا بوسع الكتاب أن يفعلوا سوي أن يلتزموا بالواقع، حتي ولو اتخذوا من الأسطورة أو من الواقعية السحرية الشهيرة إطارا لأعمالهم؟
6- رواية الطريق: والشيء بالشيء يذكر. كانت رواية الطريق أول رواية عربية "للكبار" أقوم بقراءتها. كان ذلك في عام 1995 وبعد انتهائي من امتحانات آخر العام للصف الأولي الثانوي وظفري بالإجازة. بالطبع لم يكن هناك مجال للخروج والفسحة حيث كنا نعيش لكن بوجه عام أنا بطبيعتي لست ممن ينتظرن الإجازات من أجل الخروج والفسحة. يكفيني أن أجد كتبًا جيدة حولي كي تكون الإجازة جيدة. وكنت تقريبًا قد أتيت علي كل الكتب الجيدة من وجهة نظري، ولم تكن تلك الكتب الجيدة سوي بعض كتيبات من سلسلة "رجل المستحيل" لنبيل فاروق. كنت حين أنزل مع خالتي التي كنت أقيم معها في بيت جدي آنئذ إلي المدينة أقوم بشراء هذه الكتيبات، والتي كانت تكلفني كثيرًا إذ أذكر أن المؤلف قد قرر لسبب ما زيادة حجم الكتيب ، وهو ما يعني زيادة سعره أيضًا، فكانت زيارتنا إلي المدينة تعني الكثير من التبذير، لكن لا بأس طالما ستكون هناك كتب مسلية يضيع معها الوقت. كنت قد أتيت علي كل هذه الكتب فبدأت أقرأ ما كان بقي في مكتبة بيت جدي من كتب، ولم تكن الكتب الباقية كثيرة إذ لم تكن جدتي رحمها الله من محبي الكتب ولم تكن تفهم لماذا يقرأ الناس الكتب طالما هم في إجازة. وأذكر أيضًا أنها كانت تراني أكتب في الإجازة فتنهاني عن ذلك لأن موسم المدرسة قد انتهي فلماذا الكتابة؟ المهم. قامت جدتي بجمع الكتب و تخزينها في صناديق كرتونية تحت الأسرة أو تحت السلم المؤدي إلي الطابق الثاني لتتولي الفئران والحشرات والأتربة مهمة الإجهاز عليها تمهيدًا للتخلص منها، وعلي سبيل الزينة- إذ لم يكن من اللائق أن تظل المكتبة جرداء- احتفظت بعينة من الكتب وضعتها علي الرفوف. كان منها طبعا القرآن الكريم، فهذا كتاب لا يمكن أن يتخلص منه مسلم مهما بلغ عدم حبه للقراءة. كما احتفظت أيضًا بكتاب اسمه "سقطة قديس" قرأته ( وسآتي علي ذكره لاحقا لأن له قصة هو الآخر) وعدة كتب أخري كان من بينها رواية الطريق لنجيب محفوظ. الرواية للكبار لا شك في ذلك. بل هي للكبار جدا، فعلي غلافها شخص يشبه شكري سرحان وفي أحضانه امرأة يوشك علي تقبيلها، وداخل الكتاب أيضًا صورة تتناول نفس الموضوع، لكن لا يهم، فأنا أقرؤه أثناء قيلولة أهل البيت، بعد العصر، وأنا أيضًا عاقلة لا أقرأ الكتب لأنها تحتوي علي صور مثيرة أو أحداث جنسية بل أقرؤها لأنها كتب و الكتب وجدت كي نستمتع بها ومن العار أن أهجر كتابا لأنه يتحدث بشكل أو بآخر عن الجنس. كنت أري نفسي دائمًا كإنسانة مسؤولة هدفها الأول والأخير هو المعرفة، فكنت أقرأ كتب طبيبك الخاص مثلا لا للإثارة الجنسية وإنما بسبب حب الاستطلاع والرغبة في معرفة تلك الأشياء التي يخفيها عنا الكبار فيتحدثون عنها همسًا و "يزغرون" لبعضهم البعض إذا ما علا صوت أحدهم وهو يتحدث عنها. كنت أريد معرفة الإجابة علي السؤال الأبدي الأزلي المكتوب علي كل طفل: كيف جئنا إلي الدنيا؟ ولم تكن أمي والحمد لله من النوع الذي يزجر الطفل إذا ما تساءل حتي ولو كان سؤاله من هذا النوع، فوعدتني أن تخبرني حين أكبر، لكنني كنت أريد إجابة أكثر تحديدا من تلك الإجابة الفضفاضة فطلبت منها أن تحدد لي سنا معينة تطلعني فيها علي هذا السر المحير فقالت لي إنني سأعرف حين يصير عمر 16 عامًا، ولما كنت وقتها في التاسعة من عمري تقريبا فقد أحببت أن أختصر الطريق وأبدأ أبحاثي بنفسي، والحمد لله أثمرت أبحاثي العلمية فعرفت الإجابة وأنا في الثالثة عشرة من عمري تقريبا، أي إن حب الاطلاع والبحث العلمي قد وفر عليّ ثلاث سنوات والحمد لله.
المهم. قرأت الرواية وفي ذهني شيء من التوجس، فقد كانت تلك الفترة هي فترة محاولة اغتيال نجيب محفوظ، والتي قامت المحطات الإذاعية بعدها بالاحتفاء بالكاتب الكبير ومحاولة تنوير الناس من ناحيته بإذاعة مسلسل "أولاد حارتنا" الذي تم إعداده قديمًا عن الرواية المثيرة للجدل والتي تحمل نفس الاسم. طبعا في سني الحدثة تلك كنت أري أن نجيب محفوظ فعل شيئًا خطيرًا بالفعل حين قام بالاستعانة بالأنبياء  وتيمات قصة الخلق وثنائية الخير والشر التي قام عليها الكون وتأسست عليها الأديان السماوية الثلاثة في رسم شخصياته، لكني بالطبع لم أتعاطف أبدا مع قاتليه أو غيرهم من كارهيه، فقط كنت أري أنه تجاوز حدوده وأنه لم يكن هناك داع لأن يفعل ما فعل. كنت أتعامل مع المسلسل الإذاعي وكأنه فزورة عليَّ حلها فكنت أسمع الحلقة ثم أقول: نعم.. هذا آدم.. أو : بالطبع هذا موسي. كان الخلاف في اعتقادي هو خلاف حول ما إذا كان محفوظ قد استعان بالفعل بقصة الخلق في كتابه أم لا، فلما تأكدت أنه قد استعان بها عرفت أنه أخطأ ولم يعجبني ما فعل. لكنني قرأت رواية الطريق علي سبيل تحقيق المزيد من المعرفة، وجدير بالذكر أنني لم أفهم منها شيئًا. كانت بالنسبة لي مجرد قصة خيانة زوجية وجريمة، مع كثير من السرد غير التقليدي والوصف الملغز. في الحقيقة لم أستمتع بها في هذه السن وإن كنت مزهوة بأنني قد قرأت لكاتب كبير. كان موعدي مع نجيب محفوظ لم يأتِ بعد.

7- رواية الشحات: والشيء بالأشياء يذكر. قرأتها في إجازة الصف الثالث الثانوي، أي وأنا أستعد لدخول الكلية. هذه المرة فهمت كثيرًا لكن الفهم أحزنني. شعرت فعلا أنني مثل بطل الرواية أتساءل: وإيه آخرتها؟ كنت صغيرة ويفترض أن أكون سعيدة مقبلة علي الحياة لكنني فعلا وجدتني لا أستطيع استشعار أي من هذا بل كنت أشعر أنني أستطيع أن أري الشاطئ الآخر من حيث أقف. ربما كان نجيب محفوظ متفائلا أكثر مني حين قدم نموذج صديق البطل الذي لا يتوقف عند الأسئلة الوجودية بل يعمل لتحسين الدنيا التي يعيش فيها لدرجة أنه يوشك أن يدفع حياته في سبيل القضية الوطنية، أما أنا – وفي هذه السن الصغيرة- فقد بدأت أشعر أن كل شيء عبث طالما هو إلي زوال، القضايا النبيلة والأخري الخسيسة كلها تتساوي طالما الأمر في النهاية واحد والنهاية هي الموت للجميع.. للشرفاء والأشقياء.. للسعداء والتعساء.. للمحترمين والسفلة الأوغاد، والغريب أن هذا الاكتشاف لم يقدني أبدا إلي أن أضربها طبنجة. لم يغرني الاكتشاف الحزين- الذي هو ليس اكتشاف ولا حاجة- بالحياد عن الطريق القويم طالما النهاية واحدة فقد كنت أرنو إلي ما بعد النهاية.. الآخرة.. فأنا مؤمنة بأن بعد الموت حياة.. لكن ذلك الشعور بعبثية كل شيء أورثني حزنا ربما لم أنته منه للآن، وطريقتي الوحيدة للتعايش معه هي تجاهله.. تجاهله والدوران في ساقية الحياة ومحاولة تحسينها لا الركون إلي السكون والموت كبطل الرواية. لكن وعلي أية حال كانت تلك بداية الصلح بيني وبين نجيب محفوظ.. كانت بداية إدراكي أن الرجل كاتب عظيم حقا ويستحق ألا نحول أعماله إلي فوازير كما فعلت مع أولاد حارتنا التي لم أقرأها  وأفهمها إلا بعد التخرج. ولها قصة أخري.رقأر

No comments:

Post a Comment