بعد المحاضرة
ناداها. الجميع يعرفون أنه خطيبها لكن تقاليد الجامعة في المحافظة الصغيرة تستوجب
أن يجلس الطلاب في مكان والطالبات في مكان آخر. طالما سخر الأساتذة القادمون من
القاهرة – والمتشبهون بهم- من هذا التقليد لكن لا يهم. لا يهمها الآن سوي الذهاب
إليه لتعرف ماذا لديه هذه المرة. إنه خطيبها ولكنها تكتشفه وتستكشفه. تنظر إليه
كما ينظر الإنسان إلي ثوب لا يعلم إن كان يناسبه تمامًا أم لا لكنه مع ذلك لا
يستطيع أن ينزل عينه من عليه. في البداية لم تكن تحبه، وربما كان ذلك أفضل. كانت
الأمور أكثر وضوحًا في ذهنها حينئذ. كانت تعلم ما تريد. تعلم أنها ستتزوجه لأنها
يجب أن تتزوج ولأنه يحبها ، والأيام علمتها أن تتزوج من يحبها لا من تحبه هي.
كفاها ما رأته ممن أحبتهم. الأيام تمر ، والعمر يتقدم بها.
والآن؟ هل تحبه؟
هي لا تعلم لكنها تشعر أنه قد تسلل إلي نفسها بطريقة ما. أفكاره الغريبة التي كانت
مثار تندرها مع أمها في البداية صارت تربكها. لأول مرة في حياتها تجد نفسها تتوقف
لتفكر في أشياء لم تكن لتخطر ببالها يومًا ما، أو لم يخطر ببالها إطلاقًا أن
تشغلها. إنها تندهش إذ تتذكر كيف استطاعت أن تقضي ثلاث ساعات كاملة تناقشه في
التليفون حول الفضيلة ومصدرها. لم يكونا يذاكران، بل كان حديثًا عاديًّا. حديثًا
بين خطيب وخطيبته. ولم تكن تجامله مطلقًا كما كانت تفعل في البداية بل كان حماسها
حقيقيا. وكانت أمها تروح وتغدو أمام باب حجرتها ومن حين لآخر تمد رأسها من بين
ضلفتي الباب وقد رسمت علي وجهها تعبيرًا ساخرًا مستنكرًا، لكنها كانت توليها ظهرها
وتواصل الحديث. وحين انتهت وضعت السماعة ثم أغلقت الباب وهي تقول بصوت عال ٍ إنها
ستنام قليلا. تعلم أن أمها أذكي من أن تفتح الباب لتتندر علي مكالمتهما بصراحة.
لذا فالأفضل أن تنام ولو قليلا حتي تنشغل أمها بشيء آخر.
سارت نحوه
بخطواتها الواسعة التي تشبه القفزات. ابتسامتها الجميلة انعكست علي وجهه الذي بدا
لها في البداية جادًّا لدرجة شغلتها. لكن ها هو يبتسم. تري ماذا سيقول لها؟ تدعو
الله في سرها أن يتحدثا حديثًا لا يسبب المشاكل. لا زالت تذكر خلافهما الكبير علي
ملابسها، وكيف جحظت عيناه وبدا متألمًا حين اتهمته بالرجعية، حتي إنها ذهلت وأخذت
تراجع حديثها وتتساءل: هل قالت شيئًا فظيعًا إلي هذه الدرجة؟ وحين فطنت أن السبب
كلمة "رجعي" نفسها ازدادت دهشتها. إنها تسمعها كثيرًا في مسلسلات
التلفزيون والأفلام ولم تكن لتتخيل أبدًا أنها كلمة مهينة إلي ذلك الحد. ظل أيامًا
بعدها يرفض الحديث إليها، حتي إن إمها نفسها، رغم حرصها علي أن يتم زواجها هذه
المرة، قد صرخت في وجهها بحدة وهي تأمرها ألا تسأل فيه وتقول إنه يكفي ما احتملته
منه حتي الآن. تعلم جيدًا أن أمها لا تحبه. رغم نقود أبيه التي بهرتها في البداية.
إنها لا تحبه لأنها لا تفهمه. إنه لا يشبههم في شيء. وهي نفسها لا تدري إن كانت
تحبه أم لا. لكن شيئًا ما يجذبها إليه.. شيء فيه.. وفي حديثه.. وفي اختلافه التام
عن كل المحيطين بها. إنه يثير فضولها وهي بحاجة إلي من يثير فضولها.
سارا قليلا في
الحديقة المحيطة بمبني الكلية وهما يتبادلان حديثًا عاديا، لكنها كانت تعلم أنه
يريد أن يقول شيئًا. لقد صارت تعرفه جيدًا وإن لم تفهمه كلية ً.
والتفت إليها بعد
برهة من الصمت وقال:
-ناوية تعملي إيه
في الامتحانات السنة دي؟
فابتسمت وهي
تلتفت إليه وقالت: - اعمل ايه ازاي يعني؟
فقال مبتسمًا
بدوره: - يعني ذاكرتي؟
شعرت أنها توشك
أن تفهم ما يرمي إليه، فالتفتت إلي الطريق أمامها وقالت بجدية، كأنها تحذره: -
الحمد لله.
ثم نظرت إلي
الأرض لثانية، قبل أن تردف:
-
علي فكرة أنا عمري في حياتي ما عدت السنة. حصل اني شلت
مواد لكن عمري ما عدت السنة. وعموما انت قلت لي قبل كده ان عمر النجاح ولا التفوق
ف الدراسة ما كان دليل نجاح حقيقي.
فصمت قليلا، ثم قال:
-
المسألة مش مسألة نجاح يا ميادة.
شعرت أنها عادت إلي منطقة عدم الفهم. لن يخطب فيها عن أهمية النجاح إذن.
كان لابد أن تعرف أن من هو مثله لا يمكن أن يتكلم في موضوع متوقع كهذا، وسحبت
نفسًا عميقًا استعدادًا لمناقشة تعرف أنها ستطول وإن لم تعرف موضوعها بعد، وقالت:
-
أمال مسألة إيه؟
-
شوفي.. أنا حاسس إني باتعبك معايا بس مادام هانتجوز يبقي
لازم نتعرف علي بعض تعارف حقيقي. وعموما أنا هادخل ف الموضوع علي طول؛ أنا مش حابب
انك تطلبي مساعدة حد من زمايلك ف لجنة الامتحان يا ميادة.
وارتفع الدم إلي وجنتيها حين قال ذلك. إنه يريد الحديث عن الغش لكنه يدور
حول المسألة ويسمي الأشياء بغير مسمياتها. وشعرت بالغيظ منه لأنها لا تري مبرر
لاعتراضه علي الغش، وشعرت أيضًا بالغيظ منه لأنه يتعامل معها وكأنها طفلة صغيرة
فيتجنب استخدام كلمة الغش خشية أن تلجأ للعناد إذا ما بدا عدوانيًّا. أرادت أن
تصرخ في وجهه كما أوصتها أمها ذات مرة أن تفعل. أرادت أن تقول إن هذه مسألة لا
تخصه وكفي تدخلات لا مبرر لها، لكنها وجدت نفسها تقول وقد تهدج صوتها:
-
قصدك ما اغشش يعني مش كده؟ لكن اقدر اعرف ليه؟
فقال وقد بدت الجدية علي وجهه:
-
أنا فاهم انتي تقصدي إيه. عاوزة تقولي طالما النجاح في
الجامعة مش مقياس لحاجة يبقي إيه أهمية اننا نغش أو لأ مش كده؟ المسألة هنا مسألة
مبدأ .. بغض النظر عن النتيجة.
ازداد غيظها وهي تسمعه يتحدث عن المبدأ. لكنها تذرعت بالصبر وقالت:
-
إزاي يعني؟ أنا أساسا لا باحب الفلسفة ولا دخلت القسم
برغبتي ولا عاوزة أشتغل شغلانة لها علاقة بدراستي ولا عاوزة اشتغل أساسا. يبقي
تقدر تقول لي إيه الجريمة في الغش في حالتي دي؟ متهيألي أنا مش زي ولاد القضاة
والمستشارين اللي بياخدوا حق غيرهم. ولا أنا زيهم من وجهة نظرك؟
محاولا تجاهل نبرة السخرية التي بدت في صوتها توقف ثم التفت إليها. فكر أن
يمسك يديها لكنه يعرف ميادة ويعرف عنادها، كما أنه يرفض أن يكسب مناقشة باللعب علي
عواطفها. وواجهها ثم قال وهو ينظر في عينيها مباشرة ً:
-
فاكرة لما اتكلمنا عن موضوع الكدب؟ واتفقنا ان الكدب ده
بغض النظر عن كونه حرام فهو شيء سييء وبيأدي لمشاكل كتير؟ أهو الغش ده نوع من
الكدب يا ميادة. يعني لما المصحح يمسك كراسة الإجابة بتاعتك هايلاقي عليها اسم
مين؟ ميادة محمد عبد الرحمن. لكن هل الإجابات اللي هايصححها دي هي فعلا إجابات
ميادة؟ طبعا لأ. يبقي الموقف ده زي بالظبط ما يكون بتكدبي ع المصحح. كده ولا لأ؟
لم يبد عليها الاقتناع، ولوت شفتيها وهي تقول:
-
أنا فاكرة اننا لما اتكلمنا عن موضوع الكدب ده ما وصلناش
لحاجة لأنك مصر ان مافيش كدب أبيض وانا مقتنعة مية المية انه فيه كدب أبيض. دي
حاجة. الحاجة التانية بأه، تقدر تقول لي كدبي ع المصحح ده ها يضر مين؟
فقاطعها قائلا:
-
يا ميادة باقول لك دي مسألة مبدأ.
-
تاني يا عصام هاتقول لي المبدأ؟ أنا مش مقتنعة بصراحة
بموضوع المبدأ ده.
ونظر إليه فوجدت سحابات الغضب تتجمع في وجهه تمامًا كما حدث حين قالت عنه
إنه رجعي، لكنها في هذه المرة لم تتراجع. كانت تشعر أنها قد دخلت ساحة معركة لو لم
تخرج منها منتصرة فلن تقوم لها قومة بعد اليوم. كانت كلمات أمها عن ضعف شخصيتها
ترن في أذنيها، ورأت بعين خيالها نفسها في منزل المستقبل، زوجة مستكينة ذليلة
كابنة خالتها دعاء، زوجة الفيلسوف عصام حسني كما تسميه والدتها. الفيلسوف الذي
يهاجم الأغنياء ليلا ونهارًا لكنه لا يرفض أبدًا أن ينفق والده ببذخ عليه وأن يجهز
له منزل الزوجية بنقوده.. نقود استغلال العمال. إنه منافق.. وهي أفضل منه.. ولن
تسمح له بأن يتعالي عليها بفضيلته المدعاة تلك. عقدت حاجبيها بالطريقة التي
تعرفها.. الطريقة التي تخيف أعتي العتاة، بما فيهم أمها نفسها، واحمر وجهها غضبًا
وقالت وقد ازداد تهدج صوتها وبدت وكأنها تجاهد كي لا تصرخ:
-
أرجوك يا عصام كفاية بأه. ولو سمحت أنا عاوزة أمشي. ولو
سمحت برضه يا ريت ما تكلمنيش اليومين اللي جايين دول.
عندئذ اتسعت عيناه وقال مذهولا:
-ليه؟
- هو انت مش قلت اننا لازم نتعرف علي بعضنا عشان نعرف هاينفع نعيش حياتنا
مع بعض ولا لأ. أنا من ساعة ما اتخطبت لك وكل اللي بيحصل انك بتحاول تروضني علي
طبعك وتفرض عليا حاجات أنا مش مقتنعة بيها. أيوة مش مقتنعة بيها يا عصام وعلي فكرة
أنا عمري ما كدبت عليك وقلت لك اني مقتنعة بيها. دي مش طريقة بصراحة. لما انت عايز
تغيرني كلي يبقي عاوز تتجوزني من الأساس ليه؟ واضح ان مافيش حاجة عاجباك فيا غير
شكلي. يبقي إيه الفرق بينك وبين أي حد م اللي عرفتهم قبلك؟
فقال ولا يزال مذهولا:-
-
يعني انتي عاوزة إيه دلوقت يا ميادة؟
-
انا عاوزة آخد فرصة أفكر فيها وأقرر إذا كان موضوع
جوازنا ده هاينفع ولا لأ. ما انكرش اني معجبة بيك لكن أسلوبك معايا بيقول ان
علاقتنا دي ما كانش المفروض تتخطي حدود الإعجاب. انت معجب بشكلي وانا معجبة ببعض
أفكارك الغريبة وبس. وعايزاك تفتكر اني ما حاولتش أفرض عليك أي حاجة ولا حاولت
أغيرك رغم ان مش كل أفكارك بتعجبني، لكن انت مصر تغيرني.
-
أنا عايز أغيرك للأفضل.. لأني باحبك يا ميادة.
-
ما هي دي المشكلة يا عصام. المشكلة انك شايف اني أقل
منك.. وكل الناس في نظرك أقل منك وأنت الأفضل اللي رسالته ف الحياة انه يهدي الناس
لعل وعسي يبقوا زيه. وطالما ان انت الأفضل يبقي استحالة هاتغير أي حاجة ف نفسك. حتي
صحابك بعدتهم عنك بإصرارك علي انهم يمشوا علي مزاجك.
-
مزاجي يا ميادة؟
فارتبكت قليلا ثم قالت:
-
سميه مزاجك أو سميه المبدأ.. مش هي دي القضية. القضية
اني مش هاعمل تاني أي حاجة انا مش مقتنعة بيها. وكفاية بأه لحد كده. عن إذنك.
لكنها وجدت نفسها
في المساء وقد تخلت عنها شجاعتها وفارقها عنادها فعادت ميادة الخائفة من
المستقبل.. وحدثتها نفسها بأنها ربما قد ظلمته كثيرًا فأمسكت بالموبايل وطلبت رقمه
وانتظرت.

No comments:
Post a Comment