أريد اليوم أن أكتب عن المجلات النسائية. لا أدري لماذا .. لكنها بالفعل
أثرت في حياتي كثيرًا هذه المجلات النسائية، منذ طفولتي، رغم أنني في طفولتي لم
أكن "نسائية" إطلاقًا. كنت بشعري المقصوص وملامحي العادية أقرب إلي
الأولاد، وكان يحدث كثيرًا أن يحدثني أحدهم باعتباري ولدًا، وكنت أحزن كثيرًا
وأذهب إلي أمي لأقص عليها هذا لكن أمي لم تكن أبدًا من الأمهات اللواتي يعرفن ما
ينبغي قوله للتخفيف عن أطفالهن. فمثلا حين كنت أخاف أو أتضايق من شيء ما فإنها لم
تكن غالبًا تشعرني بالتعاطف وإنما كانت تشعرني بالتقصير. وهكذا فهذه الفتاة مثلا قالت
لي في الفسحة تعليقًا علي مظهري ضايقني وأنا محرجة بشدة من قص هذا الموضوع علي
مخلوق لكنني أجد الشجاعة أخيرًا للفضفضة لأمي - باعتبارها أمي- لكنني لا أجد لديها
أي قدر من التفهم بل أجدها غاضبة عليَّ لأنني لم أستطع الرد علي الفتاة السافلة
الرد المناسب، وبالتالي فبالإضافة إلي عقدتي النفسية من "لا أنثويتي" في
هذه المرحلة كانت هناك أيضًا عقدتي النفسية من كوني فاشلة ضعيفة لا أستطيع رد
الصاع صاعين بينما جميع ولاد الناس- علي حد قول أمي- فالحين ولسانهم طول كده.
المهم.. لم أكن أنثوية لا شكلا ولا سلوكًا. ربما لم يكن سلوكي أنثويا بسبب
شكلي غير الأنثوي. لا أذكر مثلا أنني طلبت من أمي في طفولتي أن تصنع لي فستانا له
تفصيلة معينة، بل كنت أترك لها مطلق الحرية في تحديد "ستايلي"، بعكس
شقيقتي التي تصغرني مباشرة ً والتي كانت تتمسك كثيرًا بآرائها في موضوع الثياب
ربما إلي حد إغضاب أمي شخصيا. وأذكر أنني كنت أحب ارتداء البنطلونات، فإن اضطررت
إلي ارتداء فساتين فالأفضل أن تكون فضفاضة بدون "أساتك" في الوسط أو
الأكمام أو أي مكان آخر، وبدون أي زينة من الدانتيل لأنه كان يسبب لي الحكة، وكانت
أمي تعرف هذا لكنها أيضًا لم تكن لتسلم لي بما أريد فكانت تضع الأساتك والدانتيل
في فساتيني، خاصة ً فساتين المناسبات، لذا كنت أكره المناسبات وأعتبر فساتينها
تحفا فنية ألبسها لأبدو جميلة نوعا ما ولتشعر أمي بالفخر بكونها موهوبة أمام
شقيقاتها والجيران، لكن حبي الحقيقي كانت تلك الفساتين البسيطة المصنوعة من قماش
قطني والشبيهة بشوال والتي كنت علي استعداد ألا أخلعها أبدًا لولا احتياجها إلي
الغسيل من حين لآخر بالطبع.
كنت في أحيان كثيرة أرغب في أن أكون ولدًا وأن تكون لي عضلات وأن أتعلم
الكاراتيه والمصارعة، إلخ، لكنني مع ذلك لم أقطع صلتي كلية ً بعالم الأنوثة. كنت
أحبه، لكنه كان حبا أفلاطونيا ، من بعيد لبعيد، فقد كانت كل علاقتي به هي المجلات
النسائية التي كنت أجدها في منزلنا وفي منزل جدي حيث كانت خالاتي يشترينها للاطلاع
علي وصفات الطهي وطرق تزيين المنزل وصيحات الديكور. كانت أهم هذه المجلات هي مجلة
حواء التي كانت تمثل عالمًا مختلفًا تمامًا عن عالمي، ثم اكتشفت مع الوقت أنها
تمثل عالمًا لا وجود له في الواقع-واقعنا علي الأقل. أذكر مثلا أن صيحات الديكور
المزعومة التي كانت المجلة تقدمها لقارئاتها باعتبارها أحدث الصيحات لم تكن سوي صور
لمنازل إنجليزية من فترة السبعينيات. هذه الجدران المكسوة بورق الحائط ذي النقوش
الحالمة الرقيقة، والتابلوهات المربعة أو المستطيلة الصغيرة والتي تحوي صورًا
لفراشات ملونة (أو ربما كانت فراشات محنطة بالفعل)، والموائد الصغيرة وفوقها آنية
الشاي الأنيقة غريبة الطراز - كلها لا يمكن أن تكون منتمية أبدًا إلي أواخر الثمانينات
وأوائل التسعينيات. لكنني كنت أعشق هذه المنازل، وأحلم أن أعيش في واحد منها، وإلي
الآن لازلت من حين لآخر أري في نومي نفسي في أحد هذه المنازل ذات الطراز الإنجليزي
الحميمي العتيق.. ومن يدري؟ ربما عشت في أحدها يومًا ما في المستقبل، أو ربما في
حياة أخري، ماضية أو قادمة.
كذلك الأكلات التي تقدمها هذه المجلة كانت تنتمي إلي عالم خيالي لم يكن له
وجود في مصر في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي. أذكر مثلا أن المجلة قد قررت مرة
وبمناسبة العام الجديد أن تهدي قارئاتها نتيجة تمثل كل صفحة من صفحاتها شهرًا من
شهور العام، وعلي كل صفحة صورة طبق وطريقة إعداده. أذكر أن إحدي الصفحات كانت وصفة
لشيء اسمه "الفلان" وأذكر أن خالتي أخذت تتندر علي تلك الوصفة وتنطق
اسمها الفلان بضم الفاء. وكان هناك أيضًا طبق الإوز بالتفاح. طبعا لم تكن مصر قد
عرفت بعد شيئًا اسمه sweet and sour في عالم الأكل. وهكذا نري
أن مجلة حواء في هذه الفترة كانت تجمع بين الأصالة والحداثة أو ما بعد الحداثة.. الأصالة
في الديكور، وما بعد الحداثة في الطعام.
ثم كانت هناك تلك المشكلات التي كانت المجلة تخصص لها يومًا ثابتًا من أيام
الشهر لتقديمها فيه. بالطبع لم أكن أقرأها ولكن أمي كانت دائمًا تثير خيالي وفضولي
حين تحكي لي كيف أنها كانت تحب قراءة هذه المشكلات العاطفية وهي طالبة بالمدرسة
الثانوية وكيف أن خالي الكبير كان يمنعها ويخفي منها أعداد المجلة كي "لا
تتفتح عيناها مبكرًا" وكيف أنها كانت تعثر علي المجلة وتخرجها من المخابئ
الساذجة التي كان يخفيها فيها وتقرؤها ثم تعيدها إلي مكانها. أذكر كيف كانت تصف
بإعجاب شديد الصور التي كانت المجلة تضعها إلي جوار كل مشكلة من تلك المشكلات. كانت
صورًا -مرسومة أو فوتوغرافية - لفتيات جميلات نحيلات حالمات قد عقصن شعورهن في
هيئة "ذيل الحصان" أو تركنها تتموج كشلال لطيف حول وجوههن، وقد انسدلت رموشهن علي خدودهن الشاحبة، ورجال
شديدي الوسامة والكبرياء تبدو صورهم إلي جانب صور الفتيات كأنهم يرنون إليهن من
بعيد. كانت صورًا أشبه بتلك الصور التي نراها علي أغلفة روايات عبير. وتذكر لي أمي
أنها في صغرها كانت تعتقد أن تلك هي صور أصحاب هذه المشاكل الحقيقيين. أما أنا فقد
كنت أدرك أنها صور لا تنتمي لعالمنا بل لنفس العالم الذي جاءت منه الديكورات
ووصفات الطعام التي تنشرها المجلة، وحين كبرت وصرت مهتمة بقراءة المشكلات لا
الفرجة علي الصور فقط أدركت أن هذه المشكلات لا يمكن أن تكون مشكلات حقيقية وإنما
هي قصص من إبداع محررة الباب.
حين كبرت أيضًا أدركت حجم التناقض بين هذا العالم الجميل الذي تخلقه المجلة-
متمثلا في باب المشكلات والديكور والطهي- وبين عالم الواقع الذي نراه في اللقاءات
والحوارات التي تجريها صحفيات المجلة. مع الحوارات تري الصور الحقيقية ؛
صور كبيرة جماعية مع التحقيقات لفتيات محجبات
يلبسن ثيابًا عادية ويسرن في طرقات الجامعة بلا حماس أو يقفن أمام ماكينة
في مصنع وقد بدا عليهن الإجهاد ، مع عنوان رنان يشيد بإنجازات الفتاة المصرية،
وصورة فوتوغرافية صغيرة - كصور الباسبور لكن أكثر كآبة- لسيدات بدينات في أواسط
العمر، يرتدين نظارات سميكة داكنة غريبة الشكل، ويصففن شعورهن بطرق تجعلهن يبدون
كمخلوقات محايدة لا جنس لها، وتحت الصور أسماؤهن ؛ د/ فلانة الفلانية الأستاذ
بكلية الآداب قسم الاجتماع جامعة القاهرة، أو أ.د. علانة أستاذ متفرغ بقسم علم
النفس بآداب عين شمس، وهي تعلق في المقال علي ظاهرة اجتماعية نسائية أو تتحدث عن
مشوار كفاحها. أو صور الأفراح في صفحة الاجتماعيات. صور لعرائس تلطخت وجوههن
بألوان فاقعة جدا وبدت شعورهن محنطة من فرط الاسبراي، فساتينهن بيضاء لها أكمام
واسعة تجعلها تبدو أقرب إلي الجلاليب التي كنت أفضلها في طفولتي، مع فارق هام-
لصالح الجلاليب- يتمثل في كم الترتر البراق والشغل الذهبي والفضي الذي يكسو هذه
الفساتين. وعلي وجوه العرائس ابتسامات كبيرة أعتقد أنها ابتسامات سعادة، أو فرحة
علي الأقل، رغم أنني لم أكن – في طفولتي- أعلم لماذا يمكن أن تسعد امرأة وهي تتزوج
رجلا يشبه ذلك العريس الذي أراه في الصورة؟ رجل يبدو عجوزًا ويرتدي نظارة غريبة
وقد صفف شعره الأكرت وفرقه من الجانب وارتدي بدلة تبدو واسعة عليه قليلا، وهو
الآخر يبتسم للكاميرا والعروس إلي جواره يبدو وجهها مجهدًا تحت ابتسامتها
العريضة.. تبدو شبيهة بطالبات الجامعة اللواتي يسرن بلا مبالاة في الطرقات،
وبالأستاذة الدكتورة التي تعلق علي ظواهرهن الاجتماعية .. نساء حقيقيات .. كلهن نساء حقيقيات لكن عالمهن
خشن جدا، بعكس نساء القسم الثاني من المجلة ، صاحبات المشكلات العاطفية المخملية .. الوهمية ، اللواتي
ينتهي بهن الأمر زوجات لهؤلاء الرجال المخمليين الوهميين الذين يوحي مظهرهم بأنهم
من آلهة الإغريق، ويقمن معهم في المنازل
الجميلة الحالمة المكسوة جدرانها بورق الحائط والأوبليكات الشاعرية والتابلوهات الفاخرة ، ويطبخن لهم الفلان والإوز بالتفاح.
لكن هذه المجلة والحق يقال كانت خير غذاء لخيالي. كانت غريزة حب الحياة
بداخلي تغلق عيني وعقلي أمام صور نساء الواقع، الدكتورة فلانة أو الأسطي علانة
الخياطة أو عروس الأسبوع الآنسة ترتانة، وتفتحهما- علي اتساعهما- علي صور الفتيات
المصنوعات من القطيفة وأري نفسي وقد كبرت لأصير واحدة منهن. لا أدري كيف. لكنني
أعتقد أن خيالي كان دائما أكثر اتساعًا بكثير من هذا العالم. كنت أدرك تماما كم أن
ملامحي عادية وكيف أن شعري ليس ناعمًا منسدلا علي كتفي وكيف أن رموشي لا تنام فوق
خدي فأبدو كالقطة (لأن عيني كانت دائما
مفتوحة علي اتساعها في دهشة أو في تحدي) ، وكيف أنه لا يمكن أن أسير كهذه الفتاة
التي تبدو في الصورة وكأنها تسير فوق السحاب وكأنها علي موعد مع ملاك فوق السماء
السابعة ، لأنني ببساطة أسير وكأني في طريقي إلي معركة. أذكر أنني في كل يوم كنت
أعود فيه من المدرسة الابتدائية كان أبي يظل يمسد لي شعري ويرتب لي ملابسي وقد بدا
علي ملامحه الانشغال الشديد ويسألني: انتي كنت بتتخانقي ولا إيه؟
ولم أكن أتخانق. أعني ليس إلا إذا دعت الحاجة القصوي لذلك، لكنني كنت أعود
يوميا بهذا الشكل، ولا أعتقد أن الحال قد اختلف كثيرا حين صرت في المدرسة
الإعدادية ، ولا الثانوية ، ولا الجامعة، لكنني كنت مؤمنة تماما أنه بمجرد أن
أكبر وأصير آنسة فإنني سأتحول
بطريقة غامضة عجائبية إلي أنثي من إناث مجلة حواء .. إناث الخيال.
لكنني بالطبع كبرت وكما قد يتوقع كل عاقل صرت واحدة من إناث الواقع. لم
أتحول بطريقة عجائبية إلي أنثي من القطيفة. والشيء الوحيد العجائبي الذي حدث لي هو
أنني تمكنت من أن أظل أنثي -بطريقة ما- رغم كل ما رأيته في حياتي.
لكن لهذا حديث آخر.

No comments:
Post a Comment