Wednesday, September 16, 2015

بنت ابوها


علي مهل عبرت الجسر القديم فوق الترعة التي انحسر ماؤها. علي الجسر عيدان بوص جافة أخذت تتحاشاها، فالعيون عليها ولن يكون جميلا أن تسقط أمام الجميع. نظرات الإعجاب ستتحول عندئذ إلي ضحكات، ولن يكتم أحد منهم ضحكاته بل سيظلون يتندرون عليها في السيارة. إنها فرصتهم.
تتهادي نحو السيارة الحمراء وتضيق عينيها لتري الراكبين في الصندوق الخلفي من الفتحة الطولية المظلمة. تود لو أن بإمكانها الركوب في الكابينةـ إلي جوار السائق لكن أباها منعها منذ يوم الحادث. تبتسم لنفسها في لا مبالاة وهي تتذكر. لم يكن حادثًا لكن أباها يصر علي تسميته حادثًا. إن أباها غريب الأطوار. منذ فتحت عينيها علي الدنيا واستطاعت فهم الأمور وهي تدرك ذلك. لكنها لم تعد تتحمل. صحيح لم تجاهر بثورتها بعد لكنها ستفعل، وستفعل قريبًا جدًّا.
في اللحظة التي تستقر فيها فوق الكنبة الرفيعة في صندوق السيارة تراه بقامته المديدة وبدانته المفرطة وقد أتي مهرولا من فوق الجسر وأخذت عيدان البوص تتكسر تحت قدميه. حمدت الله علي أن السيارة قد تحركت في نفس اللحظة. ومن صميم قلبها تمنت ألا يكون أحد من الركاب قد رآه. مجنون هذا الرجل. ومجنونة أمها يوم وافقت علي الزواج منهم ويوم أنجبتهم. هي وشاهنده ومهيار. أسماء غريبة كأبيها الذي اختارها. وهي.. مريهان. هل هذا اسم أصلا؟ لماذا ليست شريهان مثلا؟ تذكر تندر البلدة كلها عليها وعلي شقيقها منذ الطفولة بسبب هذه الأسماء اللعينة. البلدة كفت أخيرًا عن التندر علي أسمائهم لكنها لم تكف عن التندر عليهم، والظاهر أنها لن تكف.. بسببه.
السيارة تمضي مترجرجة فوق الطريق غير المعبد وصوت خشخشة يملأ أذنيها مع صورته التي أخذت تصغر وتصغر حتي اختفت نهائيا إذ انعطفت السيارة نحو الطريق العام .. نحو المدينة. في المدينة تتحرر قليلا. تنسي لبضع ساعات كل شيء.. أبيها وأمها وكل شيء. لا تحب المدرسة لكن تحب الهروب. ربما أحبتها لو أن أباها لم يردها أن تحبها. من صغرها وهو يتحدث حديثًا فارغًا عن أهمية التعليم وعن ذكائه ونبوغه الذي كان ليؤهله لتقلد أعلي المناصب لولا الزمن الأغبر الذي يجيء دائمًا علي الرجال الحقيقيين وينصف الأنصاف. كان أيضًا دائمًا يقارنها به ويعرض بفشلها وبأن لا هم لها سوي التفاهات والكلام الفاضي. تتذكر وقد أخذ يتكلم دائمًا بحقد شديد عنها، كأنه يتحدث عن أعدي أعدائه. كثيرًا ما تمنت لو كانت لقيطة وجدوها بالشارع، وكادت تصدق أنها كذلك فعلا  لولا أن عينيها الخضراوين اللذين ورثتهما منه كانا دائمًا ما يجهضان أمنياتها.
عيناها الخضراوان.. وجسدها الفائر. لا أحد يصدق أنها في السنة الأولي بالمدرسة التجارية. هي في نظر الجميع عروسة بالمعني الحرفي للكلمة. كل من يراها في ثياب الخروج- عند ذهابها إلي الدروس- يظنها عروسًا جديدة، وقد كانت  تشعر بالفخر لذلك . لكن الشعور بالفخر تحول مع الوقت إلي شعور روتيني لا يثير في نفسها سوي متعة لحظية، ثم ما لبث الشعور بالفخر نفسه أن زايلها. إن البنات من حولها تتم خطبتهن وهي لا تزال في بيت أبيها، وأبوها يلقي علي مسامع جمهور غير مرئي خطبه التي تسقمها عن أهمية التعليم وعن حظه العاثر الذي جعل المعهد الأزهري لا يفتتح في القرية إلا و "هذه البت" في الصف الثالث الإعدادي، ثم يتصعب ويقول إن سبب بوظانها هو أنها لم تدخل التعليم الأزهري مثل إخوتها. والواقع أنها تقرأ كتب إخوتها، لا حبا في التعليم الأزهري وإنما اندهاشًا وانجذابًا إلي كم المعلومات الجنسية التي توفرها لها هذه الكتب. ذات مرة وقد ركبها شيطان التحدي انتابتها رغبة شديدة في أن تذهب إليه وهو واقف يصيح لتخبره بهذا وتريه الكتب التي يندم علي أنها لم تدرسها، لكنها لم ترد أن يصيب أخويها سوء. ربما منعهم من التعليم نهائيًّا. و هما يحبان التعليم.. لا تدري لماذا.. لكنهما يدريان وهذا يكفي. وهي تحبهما جدا ولا تحقد عليهما رغم أنها تشعر بأنها ابنة البطة السوداء في كثير من الأحيان، لكنها أيضًا تعرف أنه حين "تركبه الجنونة" فهو لا يفرق بين كبير وصغير.
تتذكر أول لطمة وجهها لها. كانت صغيرة جدا ولسبب ما قالت لأمها أنها تريد أن تتزوج. كان ابن خالتها في زيارة لهم قبلها بأيام قليلة، قادما من "مصر" حيث يعمل نقاشًا. تذكر أنه كان حينئذ وسيمًا وأنها قد صاحبته طوال إقامته في البلد، وعلمت فيما بعد أن أباها قد امتعض لذلك إلي الحد الذي جعله يلطمها بكل تلك القسوة حين عبرت عن رغبتها الغريبة تلك. كانت صغيرة جدا ولم تر عيبًا فيما قالت، لكنها تذكر أن شعورًا داخلها بأن أباها لا يريدها أن تتزوج. ظل هذا الشعور كامنًا في ظلمات عقلها لكنه عاد إلي السطح مع الأحداث الأخيرة.. الحادث- كما يسميه أبوها. وبالأمس أقسمت لها البت حنان أن أباها لا يريد أن يزوجها لأنه لا يملك نفقات تجهيزها فأرادت أن تأكلها بأسنانها. هذه القذرة تدعي صداقتها لكنها تشمت مثل الجميع. كلهم يحقدون عليها. نساءً ورجالا. وتهاني قالت لها إن أباها ثري لكنه بخيل، لكنها تعلم أنه ليس ثريًّا، لو كان ثريًّا لما أطاقه أحد. إنها تعرفه جيدًا. إنه بقال القرية العجوز البدين المترهل الذي يحتقر الجميع ويقسم إن جميع الأراضي الممتدة من سور حديقة عرفان ابن ابو كلبة حتي السايبر كانت ملكًا لعائلته، ثم يكور شفتيه ويبصق علي الأرض وهو يقول بصوته الغليظ: قال سايبر قال.. بلد ما فيهاش مدرسة ثانوي بس فيها سايبر. عالم بتاكل بالمغرفة صحيح.
تتوقف السيارة غير بعيد من باب المدرسة التجارية. كل ما عليها هو عبور الأسفلت نحوها. لكنها تتوقف لتتلفت حولها لثوان.. ولا تراه فتحث الخطي نحو المدرسة. لم يأت. لعله مريض أو لديه مشوار بالسيارة إلي مصر. سيارته ميكروباص وليست سيارة صندوق قبيحة كباقي السيارات. وهو أيضًا ليس قبيحًا كباقي السائقين. عيناه خضراوان لكنهما أجمل من عينيها. وشعره مرجل بعناية. بشرته خمرية لوحتها الشمس.. وساعداه القويان.. وشاربه.. آه.
وهو يريدها.. يريد الزواج منها. شاب بهذه الوسامة لا يريد الزواج عادة ً لكنه دخل البيت من بابه. واستقبله أبوها وقد ارتسم كل ما في نفسه من احتقار وغل غبي علي وجهه. واستمع إليه وقد أحني رأسه ثم انتفض واقفًا كأنما لدغته عقربة وأشار إلي الباب وهو يصيح ويأمره بالخروج قبل أن يحضر الطبنجة ويفرغها في رأسه. الجميع يعلمون أن أباها لا يملك طبنجة ولا غير طبنجة لكنه يصر علي جعلهم أضحوكة ومضغة في الأفواه، خاصة ً أن الناس قد اجتمعوا كالعادة علي صياحه للفرجة.. وسمعه الجميع يقسم بالأرض التي كانت تمتد من جنينة ابو كلبة للسايبر وبدمائه العربية التي لا عاش ولا كان إن سمح لفلاح أن يدنسها. حبيبها من جانبه لم يسكت. تعرف دمه الحامي وإباءه. سب لأبيها الدين فغضبت، لكنها عادت فعذرته. ومضي لكنها رأته في اليوم التالي. إنها يريدها.. ويتشدد ويهددها بأمه التي تريد أن تخطب له ابنة سعيد الحلاق الذي مات في العراق بعد أن ترك زوجته وأولاده مرتاحين. والبنت حلوة جدا لكنه يريدها هي. فهل هي تريده؟
تريده.. لكن شيطان العناد والكرامة ركبها بعد افتراقهما يومها. لا يريدها لذاتها لكنه يريد أن يذل أباها. أبوها مجنون لكنه أبوها. سيموت بالسكتة إن هربت وتزوجت ابنته العربية من الفلاح. ويتشرد أمها وشقيقيها.
وحبيبها يأتي كل يوم بسيارته للقائها ومحاولة إقناعها، بالترغيب مرة وبالترهيب مرة، وهي تسوف وتماطل كي تؤخر الفراق النهائي قدر الإمكان.. تعرف أنها لن تتزوجه لكن قلبها لا يطاوعها علي قطع الأمل بينها وبينه بهذه السرعة.
لكنه اليوم لم يأت. لعله مريض أو في مشوار لمصر بالسيارة الميكروباص البيضاء، التي وعدها أن يأخذها فيها إلي الإسكندرية في شهر عسلهما. أو لعله في بيت سعيد الحلاق.. يشرب الشاي في الأكواب الزجاجية الأنيقة ويدخن السجائر الأجنبية مع شقيق العروسة.
وشعرت أنها ترغب في هذه اللحظة في قتل أبيها، لكن حنينًا بداخلها غلبها. وصوت من داخل نفسها ذكرها بأنها ابنة حلال. توقفت عن المسير قبل بلوغ باب المدرسة بقليل ثم استدارت متجهة نحو السكة الحديد.. تعبرها نحو المدينة الصغيرة إلي بيت سعيد الحلاق. لن تفعل شيئًا. ستلقي نظرة فقط لتتأكد أن الميكروباص الأبيض ليس واقفًا أمام الباب، ثم تعود إلي بيت المجانين الذي جاءت منه.




No comments:

Post a Comment