Tuesday, September 22, 2015

نساء من قطيفة


أريد اليوم أن أكتب عن المجلات النسائية. لا أدري لماذا .. لكنها بالفعل أثرت في حياتي كثيرًا هذه المجلات النسائية، منذ طفولتي، رغم أنني في طفولتي لم أكن "نسائية" إطلاقًا. كنت بشعري المقصوص وملامحي العادية أقرب إلي الأولاد، وكان يحدث كثيرًا أن يحدثني أحدهم باعتباري ولدًا، وكنت أحزن كثيرًا وأذهب إلي أمي لأقص عليها هذا لكن أمي لم تكن أبدًا من الأمهات اللواتي يعرفن ما ينبغي قوله للتخفيف عن أطفالهن. فمثلا حين كنت أخاف أو أتضايق من شيء ما فإنها لم تكن غالبًا تشعرني بالتعاطف وإنما كانت تشعرني بالتقصير. وهكذا فهذه الفتاة مثلا قالت لي في الفسحة تعليقًا علي مظهري ضايقني وأنا محرجة بشدة من قص هذا الموضوع علي مخلوق لكنني أجد الشجاعة أخيرًا للفضفضة لأمي - باعتبارها أمي- لكنني لا أجد لديها أي قدر من التفهم بل أجدها غاضبة عليَّ لأنني لم أستطع الرد علي الفتاة السافلة الرد المناسب، وبالتالي فبالإضافة إلي عقدتي النفسية من "لا أنثويتي" في هذه المرحلة كانت هناك أيضًا عقدتي النفسية من كوني فاشلة ضعيفة لا أستطيع رد الصاع صاعين بينما جميع ولاد الناس- علي حد قول أمي- فالحين ولسانهم طول كده.
المهم.. لم أكن أنثوية لا شكلا ولا سلوكًا. ربما لم يكن سلوكي أنثويا بسبب شكلي غير الأنثوي. لا أذكر مثلا أنني طلبت من أمي في طفولتي أن تصنع لي فستانا له تفصيلة معينة، بل كنت أترك لها مطلق الحرية في تحديد "ستايلي"، بعكس شقيقتي التي تصغرني مباشرة ً والتي كانت تتمسك كثيرًا بآرائها في موضوع الثياب ربما إلي حد إغضاب أمي شخصيا. وأذكر أنني كنت أحب ارتداء البنطلونات، فإن اضطررت إلي ارتداء فساتين فالأفضل أن تكون فضفاضة بدون "أساتك" في الوسط أو الأكمام أو أي مكان آخر، وبدون أي زينة من الدانتيل لأنه كان يسبب لي الحكة، وكانت أمي تعرف هذا لكنها أيضًا لم تكن لتسلم لي بما أريد فكانت تضع الأساتك والدانتيل في فساتيني، خاصة ً فساتين المناسبات، لذا كنت أكره المناسبات وأعتبر فساتينها تحفا فنية ألبسها لأبدو جميلة نوعا ما ولتشعر أمي بالفخر بكونها موهوبة أمام شقيقاتها والجيران، لكن حبي الحقيقي كانت تلك الفساتين البسيطة المصنوعة من قماش قطني والشبيهة بشوال والتي كنت علي استعداد ألا أخلعها أبدًا لولا احتياجها إلي الغسيل من حين لآخر بالطبع.
كنت في أحيان كثيرة أرغب في أن أكون ولدًا وأن تكون لي عضلات وأن أتعلم الكاراتيه والمصارعة، إلخ، لكنني مع ذلك لم أقطع صلتي كلية ً بعالم الأنوثة. كنت أحبه، لكنه كان حبا أفلاطونيا ، من بعيد لبعيد، فقد كانت كل علاقتي به هي المجلات النسائية التي كنت أجدها في منزلنا وفي منزل جدي حيث كانت خالاتي يشترينها للاطلاع علي وصفات الطهي وطرق تزيين المنزل وصيحات الديكور. كانت أهم هذه المجلات هي مجلة حواء التي كانت تمثل عالمًا مختلفًا تمامًا عن عالمي، ثم اكتشفت مع الوقت أنها تمثل عالمًا لا وجود له في الواقع-واقعنا علي الأقل. أذكر مثلا أن صيحات الديكور المزعومة التي كانت المجلة تقدمها لقارئاتها باعتبارها أحدث الصيحات لم تكن سوي صور لمنازل إنجليزية من فترة السبعينيات. هذه الجدران المكسوة بورق الحائط ذي النقوش الحالمة الرقيقة، والتابلوهات المربعة أو المستطيلة الصغيرة والتي تحوي صورًا لفراشات ملونة (أو ربما كانت فراشات محنطة بالفعل)، والموائد الصغيرة وفوقها آنية الشاي الأنيقة غريبة الطراز - كلها لا يمكن أن تكون منتمية أبدًا إلي أواخر الثمانينات وأوائل التسعينيات. لكنني كنت أعشق هذه المنازل، وأحلم أن أعيش في واحد منها، وإلي الآن لازلت من حين لآخر أري في نومي نفسي في أحد هذه المنازل ذات الطراز الإنجليزي الحميمي العتيق.. ومن يدري؟ ربما عشت في أحدها يومًا ما في المستقبل، أو ربما في حياة أخري، ماضية أو قادمة.
كذلك الأكلات التي تقدمها هذه المجلة كانت تنتمي إلي عالم خيالي لم يكن له وجود في مصر في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي. أذكر مثلا أن المجلة قد قررت مرة وبمناسبة العام الجديد أن تهدي قارئاتها نتيجة تمثل كل صفحة من صفحاتها شهرًا من شهور العام، وعلي كل صفحة صورة طبق وطريقة إعداده. أذكر أن إحدي الصفحات كانت وصفة لشيء اسمه "الفلان" وأذكر أن خالتي أخذت تتندر علي تلك الوصفة وتنطق اسمها الفلان بضم الفاء. وكان هناك أيضًا طبق الإوز بالتفاح. طبعا لم تكن مصر قد عرفت بعد شيئًا اسمه sweet and sour  في عالم الأكل. وهكذا نري أن مجلة حواء في هذه الفترة كانت تجمع بين الأصالة والحداثة أو ما بعد الحداثة.. الأصالة في الديكور، وما بعد الحداثة في الطعام.
ثم كانت هناك تلك المشكلات التي كانت المجلة تخصص لها يومًا ثابتًا من أيام الشهر لتقديمها فيه. بالطبع لم أكن أقرأها ولكن أمي كانت دائمًا تثير خيالي وفضولي حين تحكي لي كيف أنها كانت تحب قراءة هذه المشكلات العاطفية وهي طالبة بالمدرسة الثانوية وكيف أن خالي الكبير كان يمنعها ويخفي منها أعداد المجلة كي "لا تتفتح عيناها مبكرًا" وكيف أنها كانت تعثر علي المجلة وتخرجها من المخابئ الساذجة التي كان يخفيها فيها وتقرؤها ثم تعيدها إلي مكانها. أذكر كيف كانت تصف بإعجاب شديد الصور التي كانت المجلة تضعها إلي جوار كل مشكلة من تلك المشكلات. كانت صورًا -مرسومة أو فوتوغرافية - لفتيات جميلات نحيلات حالمات قد عقصن شعورهن في هيئة "ذيل الحصان" أو تركنها تتموج كشلال لطيف حول وجوههن،  وقد انسدلت رموشهن علي خدودهن الشاحبة، ورجال شديدي الوسامة والكبرياء تبدو صورهم إلي جانب صور الفتيات كأنهم يرنون إليهن من بعيد. كانت صورًا أشبه بتلك الصور التي نراها علي أغلفة روايات عبير. وتذكر لي أمي أنها في صغرها كانت تعتقد أن تلك هي صور أصحاب هذه المشاكل الحقيقيين. أما أنا فقد كنت أدرك أنها صور لا تنتمي لعالمنا بل لنفس العالم الذي جاءت منه الديكورات ووصفات الطعام التي تنشرها المجلة، وحين كبرت وصرت مهتمة بقراءة المشكلات لا الفرجة علي الصور فقط أدركت أن هذه المشكلات لا يمكن أن تكون مشكلات حقيقية وإنما هي قصص من إبداع محررة الباب.
حين كبرت أيضًا أدركت حجم التناقض بين هذا العالم الجميل الذي تخلقه المجلة- متمثلا في باب المشكلات والديكور والطهي- وبين عالم الواقع الذي نراه في اللقاءات والحوارات  التي تجريها صحفيات المجلة. مع الحوارات تري الصور الحقيقية ؛ صور كبيرة جماعية مع التحقيقات لفتيات محجبات  يلبسن ثيابًا عادية ويسرن في طرقات الجامعة بلا حماس أو يقفن أمام ماكينة في مصنع وقد بدا عليهن الإجهاد ، مع عنوان رنان يشيد بإنجازات الفتاة المصرية، وصورة فوتوغرافية صغيرة - كصور الباسبور لكن أكثر كآبة- لسيدات بدينات في أواسط العمر، يرتدين نظارات سميكة داكنة غريبة الشكل، ويصففن شعورهن بطرق تجعلهن يبدون كمخلوقات محايدة لا جنس لها، وتحت الصور أسماؤهن ؛ د/ فلانة الفلانية الأستاذ بكلية الآداب قسم الاجتماع جامعة القاهرة، أو أ.د. علانة أستاذ متفرغ بقسم علم النفس بآداب عين شمس، وهي تعلق في المقال علي ظاهرة اجتماعية نسائية أو تتحدث عن مشوار كفاحها. أو صور الأفراح في صفحة الاجتماعيات. صور لعرائس تلطخت وجوههن بألوان فاقعة جدا وبدت شعورهن محنطة من فرط الاسبراي، فساتينهن بيضاء لها أكمام واسعة تجعلها تبدو أقرب إلي الجلاليب التي كنت أفضلها في طفولتي، مع فارق هام- لصالح الجلاليب- يتمثل في كم الترتر البراق والشغل الذهبي والفضي الذي يكسو هذه الفساتين. وعلي وجوه العرائس ابتسامات كبيرة أعتقد أنها ابتسامات سعادة، أو فرحة علي الأقل، رغم أنني لم أكن – في طفولتي- أعلم لماذا يمكن أن تسعد امرأة وهي تتزوج رجلا يشبه ذلك العريس الذي أراه في الصورة؟ رجل يبدو عجوزًا ويرتدي نظارة غريبة وقد صفف شعره الأكرت وفرقه من الجانب وارتدي بدلة تبدو واسعة عليه قليلا، وهو الآخر يبتسم للكاميرا والعروس إلي جواره يبدو وجهها مجهدًا تحت ابتسامتها العريضة.. تبدو شبيهة بطالبات الجامعة اللواتي يسرن بلا مبالاة في الطرقات، وبالأستاذة الدكتورة التي تعلق علي ظواهرهن الاجتماعية ..  نساء حقيقيات .. كلهن نساء حقيقيات لكن عالمهن خشن جدا، بعكس نساء القسم الثاني من المجلة ، صاحبات  المشكلات العاطفية المخملية .. الوهمية ، اللواتي ينتهي بهن الأمر زوجات لهؤلاء الرجال المخمليين الوهميين الذين يوحي مظهرهم بأنهم من آلهة الإغريق، ويقمن معهم  في المنازل الجميلة الحالمة المكسوة جدرانها بورق الحائط والأوبليكات الشاعرية والتابلوهات الفاخرة ، ويطبخن  لهم الفلان والإوز بالتفاح.
لكن هذه المجلة والحق يقال كانت خير غذاء لخيالي. كانت غريزة حب الحياة بداخلي تغلق عيني وعقلي أمام صور نساء الواقع، الدكتورة فلانة أو الأسطي علانة الخياطة أو عروس الأسبوع الآنسة ترتانة، وتفتحهما- علي اتساعهما- علي صور الفتيات المصنوعات من القطيفة وأري نفسي وقد كبرت لأصير واحدة منهن. لا أدري كيف. لكنني أعتقد أن خيالي كان دائما أكثر اتساعًا بكثير من هذا العالم. كنت أدرك تماما كم أن ملامحي عادية وكيف أن شعري ليس ناعمًا منسدلا علي كتفي وكيف أن رموشي لا تنام فوق خدي فأبدو كالقطة  (لأن عيني كانت دائما مفتوحة علي اتساعها في دهشة أو في تحدي) ، وكيف أنه لا يمكن أن أسير كهذه الفتاة التي تبدو في الصورة وكأنها تسير فوق السحاب وكأنها علي موعد مع ملاك فوق السماء السابعة ، لأنني ببساطة أسير وكأني في طريقي إلي معركة. أذكر أنني في كل يوم كنت أعود فيه من المدرسة الابتدائية كان أبي يظل يمسد لي شعري ويرتب لي ملابسي وقد بدا علي ملامحه الانشغال الشديد ويسألني: انتي كنت بتتخانقي ولا إيه؟
ولم أكن أتخانق. أعني ليس إلا إذا دعت الحاجة القصوي لذلك، لكنني كنت أعود يوميا بهذا الشكل، ولا أعتقد أن الحال قد اختلف كثيرا حين صرت في المدرسة الإعدادية ، ولا الثانوية ، ولا الجامعة، لكنني كنت مؤمنة تماما أنه بمجرد أن
 أكبر وأصير آنسة فإنني سأتحول بطريقة غامضة عجائبية إلي أنثي من إناث مجلة حواء .. إناث الخيال.

لكنني بالطبع كبرت وكما قد يتوقع كل عاقل صرت واحدة من إناث الواقع. لم أتحول بطريقة عجائبية إلي أنثي من القطيفة. والشيء الوحيد العجائبي الذي حدث لي هو أنني تمكنت من أن أظل أنثي -بطريقة ما- رغم كل ما رأيته في حياتي.

لكن لهذا حديث آخر.


Friday, September 18, 2015



ملحوظة: أكتب هذه الكلمات علي برنامج Zen Writer  وهو برنامج لطيف لمساعدة المرء علي الانعزال عن العالم ومؤثراته والتركيز في الكتابة. البرنامج يتيح لك الكتابة علي خلفية جميلة عبارة عن منظر طبيعي يبعث علي الاسترخاء. والموسيقي كذلك تشبه موسيقي التأمل الخاصة باليوجا. كذلك يحتوي البرنامج علي مؤثرات صوتية يمكن استخدامها لدي الكتابة لإعطاء المرء الإيحاء بأنه يكتب علي الآلة الكاتبة، إذ كلما نقرت علي مفتاح من مفاتيح الحروف صدر عن البرنامج صوت شبيه بصوت الآلة الكاتبة. وهناك أيضًا صوت قطرات المطر. إنه برنامج ظريف وأنا أجربه فقط ولا أدري إن كنت سأستمر في الكتابة عليه أم سأعود إلي الوورد.
أريد أن أكتب اليوم عن ذكريات الطفولة. الموضوع الأخصب بالنسبة لأغلب من يكتبون من وجهة نظري. اليوم وجدتني أتذكر بعض أحداث طفولتي مع أمي لسبب أو لآخر فقلت في نفسي فلأكتب عن طفولتي اليوم إذن.
لا أستطيع أن أزعم أنني أذكر الكثير عن يومي الدراسي الأول، لكنني مع ذلك أذكر بوضوح إحساسي بالضياع والتوهان. إنها المرة الأولي التي أخرج فيها من منزلنا لأظل وحدي لعدة ساعات، وأنا بطبعي، أو كنت بطبعي في هذه السن، من النوع الذاهل عن الحياة القليل التركيز فيما يدور حولي، ولذا كان من الصعب علي جدا أن أصمد في هذا اليوم الأول، لكنني أعتقد أنني صمدت.. بطريقة أو بأخري صمدت.
أذكر أن أبي قد أوصلني إلي المدرسة، وبعد حديث مع أبلة سامية، معلمتي الأولي والتي كانت جارة لنا، تركني بعد أن أجلسني، كما أوصته أمي، في الدرج الأول.
لا أذكر أيضًا الكثير عن حصتي الدراسية الأولي. كنت ولا زلت أحب التعلم بوجه عام، لكن لا أعتقد أنني أحببت كثيرًا كل تلك التفاصيل الكثيرة التي حاولت الأبلة سامية حشرها في رؤوسنا. وأنا لا أعني هنا الدروس، وإنما ما أوصتنا به يومها، إذ أوصتنا بإحضار عدة كراسات، بعضها سيتوجب علينا أخذه معنا إلي المنزل وبعضه الآخر سنتركه هنا في المدرسة في دولاب موجود بآخر الفصل لاستخدامها أثناء الحصص. قالت أبلة سامية كلامًا كثيرًا، وأنا-في تلك المرحلة من عمري، وربما للآن- ضعيفة القدرة علي استيعاب التفاصيل المملة، خاصة ً أنني لم أفهم أصلا ما المقصود بكراسة تجريد مثلا. أشياء كثيرة من هذا القبيل قالتها أبلة سامية، ومجاملة ً منها لأبي وأمي قطعت ورقة صغيرة من كراسة معها ثم كتبت لي فيها الكراسات المطلوبة. للأمانة لا أعلم إن كانت قد فعلت ذلك مع باقي الطلاب أم لا، لكنني أذكر جيدا شكل خطها علي الورقة. كان خطها سيئًا وكانت الكلمات- الغامضة بالنسبة لي- مكتوبة بالقلم الأحمر، لكن تلك الكلمات كانت في نظري سحرًا. كل الكلمات المكتوبة كانت تشكل سحرًا بالنسبة لي في ذلك الوقت.
أذكر أنه حين جاء موعد الفسحة خرجت من الفصل إلي فناء المدرسة الذي كان واسعًا وقتها (قبل أن يتحول إلي المزيد من المباني والفصول كئيبة الشكل لاستيعاب المزيد من الطلاب). لا أذكر شيئًا عن الساندوتشات التي تناولتها وإن كنت أذكر بوضوح أن أمي أخذت قبل ذهابي إلي المدرسة، ربما بيوم كامل, تردد علي مسامعي ما ينبغي علي فعله بالساندوتشات والكوب الذي أعطته لي كي أشرب فيه الماء (والذي سرق مني بعدها بأيام واستعدته بصعوبة وبجهود مشكورة من أبلة سامية في مواجهة السارقة الصغيرة) . كانت أمي تتكلم وكأنها تلقي درسًا أو تدرب حيوانًا صغيرًا علي أداء حركة جديدة، موصية ً إياي بألا أنسي الساندوتشات وألا أعيد الكوب إلي الكيس البلاستيك الذي كانت تضعه لي فيه قبل أن يجف الماء منه. وكانت تغسله أمامي ثم تمسكه وتأخذ في تحريك ذراعها أفقيًّا ورأسيًّا بقوة لتريني كيف ستتناثر قطرات الماء الصغيرة ويجف الكوب تمامًا ثم أضعه في الكيس ثم في حقيبتي المدرسية. وبالطبع نفذت تعليمات أمي كالعادة، أنا الفتاة العاقلة المؤدبة دائمًا وأبدًا.
أذكر بوضوح أن الفسحة قد انتهت لكنني لم أدرك ذلك. لم أكن معتادة بعد علي النظام. أنا طفلة صغيرة تقضي أغلب يومها في المنزل، غير بعيد منها أمها تطهو أو تفعل شيئًا مما تفعله الأمهات، وأنا - الطفلة الصغيرة- تلهو بلعبها السليمة أو المكسورة، أو تتأمل ضوء الشمس الذي يتنزل في دعة وسلام من شباك المنور إلي غرفة النوم المطلية جدرانها باللونين الوردي والأحمر الفاتح، أو تتفرج علي التليفزيون، وحين يحل المساء تخرج الطفلة للعب في الشارع مع إخوتها وبنت خالها. لم نكن في تلك الأيام ندرك مفهوم الوقت أو أي شيء من هذا القبيل لذا لم أفهم أن الفسحة قد انتهت، وظللت ألعب وحدي وأدور في فناء المدرسة دون أن ألاحظ أن جميع الطلاب قد عادوا إلي فصولهم.
بعد فترة انتبهت لي إحدي المدرسات وأمرتني بدخول فصلي لأن الفسحة قد انتهت. وجدت نفسي في حيرة من أمري. أين أذهب؟ أين فصلي؟ أمامي فصلان فأيهما فصلي. في تلك الفترة أيضًا أعتقد أنه لم يكن لديَّ شيء اسمه ذاكرة ولا إحساس بالمكان والاتجاه. ماذا كان عندي إذن ؟ لا أدري. المهم اخترت أحد الفصلين ودخلته، وجلست. لم يقل لي أحد أي شيء. لم يعلق أحد. إذن هو فصلي. لكن هل هؤلاء هن البنات اللواتي كنت أجلس معهن قبل الفسحة؟ في الواقع لا أدري. قلت لكم أنني لم أكن قد اكتشفت الذاكرة حتي ذلك الوقت.
جدير بالذكر أن الفصل لم يكن فصلي، لكن أحدًا لم يفطن إلي ذلك. أو ربما اعتقدت أبلة سامية- والتي كانت تدرس للفصلين- أنني أحب هذا الفصل أكثر من غيره فلم تشأ أن تضغط عليَّ وتركتني أفعل ما يحلو لي. وهكذا قضيت خمسة سنوات من عمري بين بنات تبتدئ أسماؤهن بحرف الضاد والغين والفاء والهاء والواو، وظللت دائمًا السين الوحيدة بينهن!
وربما كتب عليَّ منذ تلك اللحظة أن أظل دائمًا وحيدة.. الطفلة "السيس" أعجوبة هذه المدرسة التي لم يكن طلابها يعترفون سوي بمنطق القوة، ويحتقرون المؤدب الذوق سرًّا أو جهرًا، لا سيما إن كان من المتفوقين.

أذكر أيضًا- بمناسبة الحديث عن التوهان، والشيء بالشيء يذكر، أن أبلة سامية قد أعطتنا ذات يوم واجب لنقوم بكتابته في كراسة الواجب، وفتحت الدولاب وأعطتنا كراسة الواجب. لكنني في غمرة اللخبطة بسبب النظام الجديد تمامًا عليَّ والمسميات الكثيرة، اعتقدت أننا سنحضرها معنا في المرة القادمة لنكتب مثل ما كتبت لنا في تلك الكراسة ولكن في الفصل لا في البيت. لا زلت أذكر إحراجي والأبلة سامية تفتح كراستي التي كان غلافها "سادة" ومزيج من اللونين اللبني والرمادي، وصفحاتها شديدة البياض، وسطورها متباعدة بحيث لا يوجد أكثر من أربعة أو خمسة سطور في الصفحة، لا زلت أذكر شكل المشهد كله والأبلة سامية تفتح الكراسة ثم تنظر إلي الصفحة التي خلت إلا من الجمل المطلوب كتابتها، والتي كتبتها بخطها السييء الذي كان يسحرني بالقلم الأحمر كالعادة فوق السطور، ثم تسألني في هدوء حازم: ما كتبتيش الدرس في البيت ليه يا فلانة؟ كنت- ولا زلت - حساسة جدا حتي إنني - وإن لم أر وجهي في المرآة في تلك اللحظة- فإنني أعتقد أنه قد احمر كثيرًا. كنت أتمني بالفعل أن تنشق الأرض وتبلعني، وقد ظللت- طوال حياتي المدرسية في المرحلة الابتدائية- أنظر  بمزيج من الإشفاق والاندهاش للبنات اللواتي يتلقين الضربات القاسية والشتائم الثقيلة علي النفس بمنتهي البرود، أو في أحسن الأحوال بدموع قليلة لا تلبث أن  تتبخر وتعود الفتاة إلي لعبها الساذج وضحكها الصاخب وحماقاتها التي تتسبب لها في المزيد من الضرب. أعتقد أنه لو ضربني أحد المدرسين في تلك المرحلة فإنني كنت سأموت خجلا بلا شك. وبالمناسبة أيضًا كان مدرسو المرحلة الابتدائية من أقسي ما يمكن، لاسيما الرجال منهم. كان هناك الأستاذ أحمد وهو مصدر رعب قاتل- بالنسبة لي علي الأقل- في الطابور. لم يكن يدرس إلا للصفوف المتقدمة ( الصف الرابع فما فوقه) لكننا كنا مضطرين إلي مواجهته يومًّا في الطابور و يا لها من مواجهة. كان طويلا أبيض البشرة أملس الوجه ممطوط البوز تبدو في عينيه نظرة جنونية طوال الوقت، وإذا ما تكلم كان كلامه صياحًا مخيفًا يحمر له وجهه  احمرارًا يوحي للمرء بأنه يوشك علي الانفجار ويجعلني أتمني الابتعاد عن محيطه قدر الإمكان. وكانت في يده دومًا عصا خيزرانية تستطيع من شكلها أن تتنبأ بوقعها، فإذا ما كان خيالك غير خصب بالقدر الكافي فيكفي أن تسمع الصوت الذي تصدره حين يلوح بها الأستاذ أحمد في الهواء مهددًا أو حين يهوي بها علي جسم طالبة سيئة الحظ لتعرف مذاقها. هل سمعت صوت الوابور؟ كان صوت عصا الأستاذ أحمد يشبه صوت الوابور، لكنه لم يكن وابورًا هادئًا يصدر وشيشه ببطء ينم عن مزاج رائق كبوابير منازل جداتنا، وإنما وابور عملاق يزفر في استياء ونفاد صبر، زفرة قصيرة مركزة موجزة تباغتك فجأة..ووووووووش، ثم تنتهي هذه الزفرة بصوت يشبه أزيز النحلة،أو- إذا شئت الدقة- أزيز سرب من النحل البري الغاضب.
ولم يكن الأستاذ أحمد يضحك سوي فيما ندر، وكانت ضحكته عصبية مخيفة كصوته وصوت عصاه.
أذكر أنه قد دخل إلي فصلنا ذات مرة في حصة احتياطي ، أو ربما درس لنا بعض الوقت لأسباب طارئة، لا أدري، لكنني أذكر جيدًا أن الحصة التي درسها لنا كانت حصة رسم. لا أذكر ماذا رسمنا يومها معه لكنني أذكر أنه لم يكن عصبيًّا كحاله في طابور الصباح، بل إنه أخذ يلقي علينا بعض النكات، وكم كانت نكات سخيفة مبتذلة مقززة مما يضحك له كثير من الأطفال، وأذكر أنني أيضًا كنت أشعر بالحرج الشديد رغم أنني لم أكن أنا من يلقي تلك النكات. وكان شعوري بالوحدة يزداد حين كنت أسمع زميلاتي يرددن تلك النكات، وألعن منها، فيما بينهن في تلذذ شديد.
تري أين هو الأستاذ أحمد الآن؟
الغريب أن تلك القسوة من جانب المدرسين من الرجال كانت قاسمًا مشتركًا بين أغلبهم. أذكر مثلا أنه كان لدينا مدرس للرسم، وأعتقد أنه كان وسيمًا، فقد كان - إن أسعفتني الذاكرة- له تقاطيع منمنمة وعينان خضراوان جميلتان ..كان ذلك بالطبع يناسبه جدا كمدرس للرسم.. للفن الجميل، لكن الجمال عند ذلك الرجل كان يتوقف عند حدود ملامحه، فقد كان هو الآخر عصبيًّا متوترًا، بل وظالمًا. أذكر أننا كنا ذات يوم في حصة الرسم وحدث أن تكلمت زميلة لنا أو ضحكت وسمعها هو، ولسبب ما اعتقد أنني أنا من فعلت ذلك فضربني علي ذراعي بعصاه التي لم تكن في الواقع عصا بل قطعة من خرطوم أسود اللون. شعرت وكأن ذراعي قد شلت، وذهبت يومها إلي المنزل وأنا في غاية الحزن, وقصصت القصة علي أمي فطلبت من أبي أن يذهب معي. وذهب أبي معه وواجهه بما فعل، لكن الرجل اندهش. إنه لا يذكر شيئًا عن الواقعة لأن هذا أسلوبه، ولأنه لا يتوقع أن تغضب طالبة إذا ما تم ضربها. إن الطلبة قد وُجِدوا كي يُضربوا فما الغريب؟ وقال له أبي إنني طالبة متفوقة كما أنني أجيد الرسم، ولم يكن قد رأي شيئًا من رسمي، فهو ليس هنا ليري رسومنا وإنما ليدرس لنا فقط . كانت هذه هي النظرية السائدة في مدرستنا. لا أذكر أن مدرسًا للرسم قد وجهنا مثلا إلي كيفية الرسم بطريقة صحيحة أو ناقش معنا ما نرسم، كما لا أذكر أن مدرسا للموسيقي قد حاول مثلا أن يكتشف من منا لديه موهبة حقيقية. المسألة كلها أداء واجب لقبض الماهية آخر الشهر ودمتم. الرسم: ارسموا حرب أكتوبر أو عروس المولد. نقطة، والموسيقي: تا فا تي في تا تي التي لا نفهم أصلا ما هي، والسلام عليكم. جدير بالذكر أن مدرسي الموسيقي حين كانت تواجههم مسؤولية الاشتراك بالطلاب في مسابقة أو إقامة حفلة أو شيء من هذ القبيل فإنهم كانوا- إذا لم يكن الهروب والتسويف أو حتي الإلغاء ممكنا- يختارون أشطر الطالبات لتدريبها علي المقطوعات المراد عزفها، باعتبار أن الطالبة الشاطرة هي طالبة موهوبة! وكنت أنا أشطر الطالبات وبالتالي كان من حظي الحسن أنني تعلمت شيئًا بسيطًا عن الموسيقي في تلك المرحلة، لكنني الآن أتساءل: تري كم طالبة موهوبة قد ضاعت فرصتها في أن تصير فنانة حقيقية، أو علي الأقل في أن تحقق ذاتها وتحصل علي شيء من الثقة في نفسها- بسبب طريقة تفكير مدرسي الموسيقي المحدودة هذه؟
ما علينا.. حين فتح ذلك المدرس الوسيم العصبي كراستي رأي رسمًا جميلا يمثل مجموعة من الزهور بألوان مختلفة. كنت أستخدم الألوان الشمع ولم أكن ألون بها، بل كنت أرسم بها. لا أجامل نفسي والله لكن الزهور كانت جميلة جدا فعلا وأثني عليها الأستاذ ثناءً شديدًا وانتهي الموقف بتطييب خاطري.
معلم آخر للرسم- رحمه الله- دخل فصلنا في حصة احتياطي فأخذ يصيح بأشياء غير مفهومة ويضرب الطالبات ثم كتب علي السبورة كلمة واحدة: فطار. وصاح بصوت جهوري متهدج: مين فيكم تعرف تقرا الكلمة دي؟ ولا أعتقد أن أيًّا منا قد تطوعت برفع يدها لنيل شرف الإجابة فقد كنا جميعًا في حالة من الرعب الشديد وقد توصلنا إلي نتيجة واحدة لم يكن لدينا أي شك فيها، وهي أن ذلك الأستاذ- الذي لا نعرف اسمه ونراه للمرة الأولي- مجنون رسمي هارب من مستشفي المجانين لجأ إلي مدرستنا للاحتماء بها من مطارديه من الأطباء والممرضين. وللأمانة راودني خاطر انتحاري فوجدت صوتًا يوسوس لي بأن أقوم وأقرأ الكلمة. أنا أستطيع حتمًا قراءتها، كما أنني سأكون أشجع الطالبات وبالتالي أذهب إلي البيت مزهوة بنفسي وأحكي لأمي عن شجاعتي بكل فخر، فقد كانت أمي في تلك الفترة شبه فاقدة الأمل في مهاراتي الاجتماعية بعد أن اكتشفت مدي عزلتي وتوهاني وضعف ذاكرتي (وإن لم تفقد الأمل في تفوقي والحمد لله)، لكنني كبتت ذلك الخاطر الذي ولا شك لم يكن يريد لي سوي الشر، فماذا لو لم تكن الكلمة هي كلمة "فطار"؟ ماذا لو كانت "قطار" لكنه نسي النقطة أو أغفلها لأسباب فنية تعجز عقولنا الضيقة عن فهمها ؟ صحيح أن الفطار يسمي في الفصحي "إفطار" ، وصحيح أننا معتادون علي الكتابة بالفصحي في المدرسة لكن الأمر لا يسلم. وهل أنجو حينئذ من ضربات الأستاذ المجنون الغريبة وشتائمه غير المفهومة التي تبدو-رغم ذلك- مهينة؟ وهكذا ظللت  متمسكة بمكاني حتي تطوعت طالبة شجاعة فكفت باقي الفصل شر القتال بعد أن رفعت يدها وقالت بصوتها المسرسع: فطار يا أستاذ.
وأمن الأستاذ علي صحة إجابتها ثم قال: أهو الفن ده.. زي الفطار كده.. ما لكوش غني عنه.
وتنفسنا الصعداء، ونحن نقول في قرارة أنفسنا: يا سلام ع الفن!
جدير بالذكر أنني لا أذكر أننا قد رسمنا أي شيء مع هذا الأستاذ، بل انقضت الحصة في حديث عن حلاوة وجمال وروعة الفن وهكذا إلي أن مرت بسلام وذهبت والحمد لله إلي غير رجعة.
إن الحكايات عن المرحلة الابتدائية تحديدًا كثيرة، وقد كنت أظن أنني قد نسيتها لكن ها أنا أتذكرها عن طريق الكتابة. وبإذن الله سأعود  بين الحين والآخر إلي هذه الأيام الغريبة، فإلي لقاء قريب بإذن الله.






Wednesday, September 16, 2015

بنت ابوها


علي مهل عبرت الجسر القديم فوق الترعة التي انحسر ماؤها. علي الجسر عيدان بوص جافة أخذت تتحاشاها، فالعيون عليها ولن يكون جميلا أن تسقط أمام الجميع. نظرات الإعجاب ستتحول عندئذ إلي ضحكات، ولن يكتم أحد منهم ضحكاته بل سيظلون يتندرون عليها في السيارة. إنها فرصتهم.
تتهادي نحو السيارة الحمراء وتضيق عينيها لتري الراكبين في الصندوق الخلفي من الفتحة الطولية المظلمة. تود لو أن بإمكانها الركوب في الكابينةـ إلي جوار السائق لكن أباها منعها منذ يوم الحادث. تبتسم لنفسها في لا مبالاة وهي تتذكر. لم يكن حادثًا لكن أباها يصر علي تسميته حادثًا. إن أباها غريب الأطوار. منذ فتحت عينيها علي الدنيا واستطاعت فهم الأمور وهي تدرك ذلك. لكنها لم تعد تتحمل. صحيح لم تجاهر بثورتها بعد لكنها ستفعل، وستفعل قريبًا جدًّا.
في اللحظة التي تستقر فيها فوق الكنبة الرفيعة في صندوق السيارة تراه بقامته المديدة وبدانته المفرطة وقد أتي مهرولا من فوق الجسر وأخذت عيدان البوص تتكسر تحت قدميه. حمدت الله علي أن السيارة قد تحركت في نفس اللحظة. ومن صميم قلبها تمنت ألا يكون أحد من الركاب قد رآه. مجنون هذا الرجل. ومجنونة أمها يوم وافقت علي الزواج منهم ويوم أنجبتهم. هي وشاهنده ومهيار. أسماء غريبة كأبيها الذي اختارها. وهي.. مريهان. هل هذا اسم أصلا؟ لماذا ليست شريهان مثلا؟ تذكر تندر البلدة كلها عليها وعلي شقيقها منذ الطفولة بسبب هذه الأسماء اللعينة. البلدة كفت أخيرًا عن التندر علي أسمائهم لكنها لم تكف عن التندر عليهم، والظاهر أنها لن تكف.. بسببه.
السيارة تمضي مترجرجة فوق الطريق غير المعبد وصوت خشخشة يملأ أذنيها مع صورته التي أخذت تصغر وتصغر حتي اختفت نهائيا إذ انعطفت السيارة نحو الطريق العام .. نحو المدينة. في المدينة تتحرر قليلا. تنسي لبضع ساعات كل شيء.. أبيها وأمها وكل شيء. لا تحب المدرسة لكن تحب الهروب. ربما أحبتها لو أن أباها لم يردها أن تحبها. من صغرها وهو يتحدث حديثًا فارغًا عن أهمية التعليم وعن ذكائه ونبوغه الذي كان ليؤهله لتقلد أعلي المناصب لولا الزمن الأغبر الذي يجيء دائمًا علي الرجال الحقيقيين وينصف الأنصاف. كان أيضًا دائمًا يقارنها به ويعرض بفشلها وبأن لا هم لها سوي التفاهات والكلام الفاضي. تتذكر وقد أخذ يتكلم دائمًا بحقد شديد عنها، كأنه يتحدث عن أعدي أعدائه. كثيرًا ما تمنت لو كانت لقيطة وجدوها بالشارع، وكادت تصدق أنها كذلك فعلا  لولا أن عينيها الخضراوين اللذين ورثتهما منه كانا دائمًا ما يجهضان أمنياتها.
عيناها الخضراوان.. وجسدها الفائر. لا أحد يصدق أنها في السنة الأولي بالمدرسة التجارية. هي في نظر الجميع عروسة بالمعني الحرفي للكلمة. كل من يراها في ثياب الخروج- عند ذهابها إلي الدروس- يظنها عروسًا جديدة، وقد كانت  تشعر بالفخر لذلك . لكن الشعور بالفخر تحول مع الوقت إلي شعور روتيني لا يثير في نفسها سوي متعة لحظية، ثم ما لبث الشعور بالفخر نفسه أن زايلها. إن البنات من حولها تتم خطبتهن وهي لا تزال في بيت أبيها، وأبوها يلقي علي مسامع جمهور غير مرئي خطبه التي تسقمها عن أهمية التعليم وعن حظه العاثر الذي جعل المعهد الأزهري لا يفتتح في القرية إلا و "هذه البت" في الصف الثالث الإعدادي، ثم يتصعب ويقول إن سبب بوظانها هو أنها لم تدخل التعليم الأزهري مثل إخوتها. والواقع أنها تقرأ كتب إخوتها، لا حبا في التعليم الأزهري وإنما اندهاشًا وانجذابًا إلي كم المعلومات الجنسية التي توفرها لها هذه الكتب. ذات مرة وقد ركبها شيطان التحدي انتابتها رغبة شديدة في أن تذهب إليه وهو واقف يصيح لتخبره بهذا وتريه الكتب التي يندم علي أنها لم تدرسها، لكنها لم ترد أن يصيب أخويها سوء. ربما منعهم من التعليم نهائيًّا. و هما يحبان التعليم.. لا تدري لماذا.. لكنهما يدريان وهذا يكفي. وهي تحبهما جدا ولا تحقد عليهما رغم أنها تشعر بأنها ابنة البطة السوداء في كثير من الأحيان، لكنها أيضًا تعرف أنه حين "تركبه الجنونة" فهو لا يفرق بين كبير وصغير.
تتذكر أول لطمة وجهها لها. كانت صغيرة جدا ولسبب ما قالت لأمها أنها تريد أن تتزوج. كان ابن خالتها في زيارة لهم قبلها بأيام قليلة، قادما من "مصر" حيث يعمل نقاشًا. تذكر أنه كان حينئذ وسيمًا وأنها قد صاحبته طوال إقامته في البلد، وعلمت فيما بعد أن أباها قد امتعض لذلك إلي الحد الذي جعله يلطمها بكل تلك القسوة حين عبرت عن رغبتها الغريبة تلك. كانت صغيرة جدا ولم تر عيبًا فيما قالت، لكنها تذكر أن شعورًا داخلها بأن أباها لا يريدها أن تتزوج. ظل هذا الشعور كامنًا في ظلمات عقلها لكنه عاد إلي السطح مع الأحداث الأخيرة.. الحادث- كما يسميه أبوها. وبالأمس أقسمت لها البت حنان أن أباها لا يريد أن يزوجها لأنه لا يملك نفقات تجهيزها فأرادت أن تأكلها بأسنانها. هذه القذرة تدعي صداقتها لكنها تشمت مثل الجميع. كلهم يحقدون عليها. نساءً ورجالا. وتهاني قالت لها إن أباها ثري لكنه بخيل، لكنها تعلم أنه ليس ثريًّا، لو كان ثريًّا لما أطاقه أحد. إنها تعرفه جيدًا. إنه بقال القرية العجوز البدين المترهل الذي يحتقر الجميع ويقسم إن جميع الأراضي الممتدة من سور حديقة عرفان ابن ابو كلبة حتي السايبر كانت ملكًا لعائلته، ثم يكور شفتيه ويبصق علي الأرض وهو يقول بصوته الغليظ: قال سايبر قال.. بلد ما فيهاش مدرسة ثانوي بس فيها سايبر. عالم بتاكل بالمغرفة صحيح.
تتوقف السيارة غير بعيد من باب المدرسة التجارية. كل ما عليها هو عبور الأسفلت نحوها. لكنها تتوقف لتتلفت حولها لثوان.. ولا تراه فتحث الخطي نحو المدرسة. لم يأت. لعله مريض أو لديه مشوار بالسيارة إلي مصر. سيارته ميكروباص وليست سيارة صندوق قبيحة كباقي السيارات. وهو أيضًا ليس قبيحًا كباقي السائقين. عيناه خضراوان لكنهما أجمل من عينيها. وشعره مرجل بعناية. بشرته خمرية لوحتها الشمس.. وساعداه القويان.. وشاربه.. آه.
وهو يريدها.. يريد الزواج منها. شاب بهذه الوسامة لا يريد الزواج عادة ً لكنه دخل البيت من بابه. واستقبله أبوها وقد ارتسم كل ما في نفسه من احتقار وغل غبي علي وجهه. واستمع إليه وقد أحني رأسه ثم انتفض واقفًا كأنما لدغته عقربة وأشار إلي الباب وهو يصيح ويأمره بالخروج قبل أن يحضر الطبنجة ويفرغها في رأسه. الجميع يعلمون أن أباها لا يملك طبنجة ولا غير طبنجة لكنه يصر علي جعلهم أضحوكة ومضغة في الأفواه، خاصة ً أن الناس قد اجتمعوا كالعادة علي صياحه للفرجة.. وسمعه الجميع يقسم بالأرض التي كانت تمتد من جنينة ابو كلبة للسايبر وبدمائه العربية التي لا عاش ولا كان إن سمح لفلاح أن يدنسها. حبيبها من جانبه لم يسكت. تعرف دمه الحامي وإباءه. سب لأبيها الدين فغضبت، لكنها عادت فعذرته. ومضي لكنها رأته في اليوم التالي. إنها يريدها.. ويتشدد ويهددها بأمه التي تريد أن تخطب له ابنة سعيد الحلاق الذي مات في العراق بعد أن ترك زوجته وأولاده مرتاحين. والبنت حلوة جدا لكنه يريدها هي. فهل هي تريده؟
تريده.. لكن شيطان العناد والكرامة ركبها بعد افتراقهما يومها. لا يريدها لذاتها لكنه يريد أن يذل أباها. أبوها مجنون لكنه أبوها. سيموت بالسكتة إن هربت وتزوجت ابنته العربية من الفلاح. ويتشرد أمها وشقيقيها.
وحبيبها يأتي كل يوم بسيارته للقائها ومحاولة إقناعها، بالترغيب مرة وبالترهيب مرة، وهي تسوف وتماطل كي تؤخر الفراق النهائي قدر الإمكان.. تعرف أنها لن تتزوجه لكن قلبها لا يطاوعها علي قطع الأمل بينها وبينه بهذه السرعة.
لكنه اليوم لم يأت. لعله مريض أو في مشوار لمصر بالسيارة الميكروباص البيضاء، التي وعدها أن يأخذها فيها إلي الإسكندرية في شهر عسلهما. أو لعله في بيت سعيد الحلاق.. يشرب الشاي في الأكواب الزجاجية الأنيقة ويدخن السجائر الأجنبية مع شقيق العروسة.
وشعرت أنها ترغب في هذه اللحظة في قتل أبيها، لكن حنينًا بداخلها غلبها. وصوت من داخل نفسها ذكرها بأنها ابنة حلال. توقفت عن المسير قبل بلوغ باب المدرسة بقليل ثم استدارت متجهة نحو السكة الحديد.. تعبرها نحو المدينة الصغيرة إلي بيت سعيد الحلاق. لن تفعل شيئًا. ستلقي نظرة فقط لتتأكد أن الميكروباص الأبيض ليس واقفًا أمام الباب، ثم تعود إلي بيت المجانين الذي جاءت منه.




Tuesday, September 15, 2015

خائفة


بعد المحاضرة ناداها. الجميع يعرفون أنه خطيبها لكن تقاليد الجامعة في المحافظة الصغيرة تستوجب أن يجلس الطلاب في مكان والطالبات في مكان آخر. طالما سخر الأساتذة القادمون من القاهرة – والمتشبهون بهم- من هذا التقليد لكن لا يهم. لا يهمها الآن سوي الذهاب إليه لتعرف ماذا لديه هذه المرة. إنه خطيبها ولكنها تكتشفه وتستكشفه. تنظر إليه كما ينظر الإنسان إلي ثوب لا يعلم إن كان يناسبه تمامًا أم لا لكنه مع ذلك لا يستطيع أن ينزل عينه من عليه. في البداية لم تكن تحبه، وربما كان ذلك أفضل. كانت الأمور أكثر وضوحًا في ذهنها حينئذ. كانت تعلم ما تريد. تعلم أنها ستتزوجه لأنها يجب أن تتزوج ولأنه يحبها ، والأيام علمتها أن تتزوج من يحبها لا من تحبه هي. كفاها ما رأته ممن أحبتهم. الأيام تمر ، والعمر يتقدم بها.
والآن؟ هل تحبه؟ هي لا تعلم لكنها تشعر أنه قد تسلل إلي نفسها بطريقة ما. أفكاره الغريبة التي كانت مثار تندرها مع أمها في البداية صارت تربكها. لأول مرة في حياتها تجد نفسها تتوقف لتفكر في أشياء لم تكن لتخطر ببالها يومًا ما، أو لم يخطر ببالها إطلاقًا أن تشغلها. إنها تندهش إذ تتذكر كيف استطاعت أن تقضي ثلاث ساعات كاملة تناقشه في التليفون حول الفضيلة ومصدرها. لم يكونا يذاكران، بل كان حديثًا عاديًّا. حديثًا بين خطيب وخطيبته. ولم تكن تجامله مطلقًا كما كانت تفعل في البداية بل كان حماسها حقيقيا. وكانت أمها تروح وتغدو أمام باب حجرتها ومن حين لآخر تمد رأسها من بين ضلفتي الباب وقد رسمت علي وجهها تعبيرًا ساخرًا مستنكرًا، لكنها كانت توليها ظهرها وتواصل الحديث. وحين انتهت وضعت السماعة ثم أغلقت الباب وهي تقول بصوت عال ٍ إنها ستنام قليلا. تعلم أن أمها أذكي من أن تفتح الباب لتتندر علي مكالمتهما بصراحة. لذا فالأفضل أن تنام ولو قليلا حتي تنشغل أمها بشيء آخر.
سارت نحوه بخطواتها الواسعة التي تشبه القفزات. ابتسامتها الجميلة انعكست علي وجهه الذي بدا لها في البداية جادًّا لدرجة شغلتها. لكن ها هو يبتسم. تري ماذا سيقول لها؟ تدعو الله في سرها أن يتحدثا حديثًا لا يسبب المشاكل. لا زالت تذكر خلافهما الكبير علي ملابسها، وكيف جحظت عيناه وبدا متألمًا حين اتهمته بالرجعية، حتي إنها ذهلت وأخذت تراجع حديثها وتتساءل: هل قالت شيئًا فظيعًا إلي هذه الدرجة؟ وحين فطنت أن السبب كلمة "رجعي" نفسها ازدادت دهشتها. إنها تسمعها كثيرًا في مسلسلات التلفزيون والأفلام ولم تكن لتتخيل أبدًا أنها كلمة مهينة إلي ذلك الحد. ظل أيامًا بعدها يرفض الحديث إليها، حتي إن إمها نفسها، رغم حرصها علي أن يتم زواجها هذه المرة، قد صرخت في وجهها بحدة وهي تأمرها ألا تسأل فيه وتقول إنه يكفي ما احتملته منه حتي الآن. تعلم جيدًا أن أمها لا تحبه. رغم نقود أبيه التي بهرتها في البداية. إنها لا تحبه لأنها لا تفهمه. إنه لا يشبههم في شيء. وهي نفسها لا تدري إن كانت تحبه أم لا. لكن شيئًا ما يجذبها إليه.. شيء فيه.. وفي حديثه.. وفي اختلافه التام عن كل المحيطين بها. إنه يثير فضولها وهي بحاجة إلي من يثير فضولها.
سارا قليلا في الحديقة المحيطة بمبني الكلية وهما يتبادلان حديثًا عاديا، لكنها كانت تعلم أنه يريد أن يقول شيئًا. لقد صارت تعرفه جيدًا وإن لم تفهمه كلية ً.
والتفت إليها بعد برهة من الصمت وقال:
-ناوية تعملي إيه في الامتحانات السنة دي؟
فابتسمت وهي تلتفت إليه وقالت: - اعمل ايه ازاي يعني؟
فقال مبتسمًا بدوره: - يعني ذاكرتي؟
شعرت أنها توشك أن تفهم ما يرمي إليه، فالتفتت إلي الطريق أمامها وقالت بجدية، كأنها تحذره: - الحمد لله.
ثم نظرت إلي الأرض لثانية، قبل أن تردف:
-         علي فكرة أنا عمري في حياتي ما عدت السنة. حصل اني شلت مواد لكن عمري ما عدت السنة. وعموما انت قلت لي قبل كده ان عمر النجاح ولا التفوق ف الدراسة ما كان دليل نجاح حقيقي.
فصمت قليلا، ثم قال:

Wednesday, September 9, 2015

أقدم ذكرياتي


ما هي أقدم ذكرياتي؟ أعتقد أنها ذلك اليوم الذي أتذكره ملفوفًا في ضياء الشمس ، بالمعني الحرفي للكلمة. أذكر أنني كنت أتجول يومها في المنزل وكنت أشعر وكأنني أتحرك بالتصوير البطيء أو كما يتحرك رائد الفضاء مثلا. كان إحساسي يومها أنني أستكشف ذلك المنزل وأنه جديد عليَّ لسبب ما. ربما لأن شكله يومها فعلا كان يختلف عن شكله في الأيام السابقة. لكنني لا أتذكر الأيام السابقة علي هذا اليوم. إنه مجرد إحساس فقط.
المهم كنت في ذلك اليوم أسير في المنزل وكأنني أسير فوق سحاب .. لا أدري لماذا. وكان المنزل نظيفًا جدًّا وأذكر أنني لم أكن أري أحدًا حولي. لا أدري لماذا؟ لا يعقل أبدًا أنني كنت وحدي في هذه السن. ربما كانت أمي وقتها في المطبخ، أو في حجرة أخري مع خالاتي.. ربما كانت قد أنجبت لتوها شقيقتي التي تليني مباشرة في الترتيب وكانت تنام في الحجرة الأخرى. ربما.
كانت قطعة الأثاث التي كنا نعرفها باسم الشوفونيرة  موجودة في غرفة نوم أبي وأمي، وهي الغرفة التي كان لها سحرها الفريد في نظري. ربما لطلاء جدرانها الأحمر وإضاءتها الخافتة، وربما بسبب تلك النافذة المطلة علي "مسقط نور" أو "منور" تابع لشقتنا. كان هذا المنور يطل مفتوحًا بطبيعة الحال علي صفحة السماء، ولم تكن الشمس تأتينا منه قاسية عنيفة مباشرة بل كانت تدخل من تلك النافذة فتتهذب ويتحول شعاعها إلي نور صافٍ لا حرارة فيه.. أو فيه حرارة حانية تدفئ النفس والقلب وتبعث في الروح ما يشبه الحنين إلي عالم آخر.. عالم ربما تواجدنا فيه يومًا ما في الماضي، قبل وجودنا المادي علي هذه الأرض. كان ضوء الشمس يسقط بشكل مائل فوق السطح اللامع المصقول للشوفونيرة النظيفة (كان السطح من فورمايكا لونها بني)، وربما كانت كلمة "يسقط" غير مناسبة لالتقاء الضوء بسطح قطعة الأثاث الجميلة تلك. لم يكن الضوء يسقط في واقع الأمر بل كان.. "يتنزل"، ببطء وسلام في هيئة متوازي  أضلاع أبيض مائل إلي الاصفرار، تسبح في كيانه المضيء ملايين من ذرات الغبار التي كانت تبدو لي وقتها سعيدة منتشية بشعور استثنائي  بالأمان. كان ذلك واضحًا في بطء حركاتها وهي تنتقل من أعلي إلي أسفل. كان هدوء تلك الذرات ومزاجها الرائق وهي تتابع رحلتها إلي سطح الشوفونيرة هي ما يوحي بأن الضوء يتنزل من السماء.
وظل هذا المشهد طوال طفولتي يرتبط بفكرة النزول من السماء والصعود إليها. أذكر أنني كنت أري نفس المشهد مرات كثيرة بعد أن كبرت قليلا وإن كنت لا أزال وقتئذ طفلة. كان ذلك في بيت جدي، وكان المشهد أروع، ذلك أنني لم أكن في بيت جدي أري الضوء المتنزل من السماء وذرات الغبار السابحة في اطمئنان فيه من نافذة مهما كبر حجمها فهي مجرد نافذة صغيرة، وإنما كان الضوء يتنزل علينا مباشرة من فتحات طولية عالية تشكل سقف المساحة الخارجية من بيت جدي، والتي كانت بدورها عبارة عن خمس درجات نصل بعدها إلي مساحة عريضة نوعًا ما بحيث تكفي مثلا لجلوس خمسة أشخاص فوقها، وكانت هذه المساحة تؤدي إلي سلالم الدور الثاني والتي كنا نراها ونحن جالسون فوق تلك "البسطة" أمامنا ، ولم تكن سلالم الدور الثاني تلك مستخدمة بل كان للجيران سلم آخر خارجي يصعدون عليه وينزلون دون إزعاج لسكان الطابق الأول، وهكذا كان السلم المفضي إلي الطابق الثاني ملكًا لنا نحن الأطفال وجزءً من ملعبنا. وكانت المساحة التي لا نراها من درجات الدور الثاني- أي تلك الدرجات التي تختفي صعودًا خلف الدرابزين المؤدي لأعلي- تطلق خيالنا فكنا نراها كأرض مجهولة وكنا نسعد كثيرًا حين يسمحون لنا بالصعود إليها، أو بمعني أصح حين كنا نغافلهم ونغامر بالصعود إلي هناك. كانوا دائما يمنعوننا من ذلك لأن ذلك المكان قذر، وأذكر أن تلك السلالم العلوية غير التابعة لمنطقة نفوذ بيت جدي كانت فعلا ملوثة ببراز القطط والفئران  كما كان التراب يعلوها دائمًا.. لكن مثل ذلك الاكتشاف لم يكن ليمنعنا أبدًا من النظر إلي ذلك المكان وكأنه جزء من أسطورة. كان مكانًا يثير الفضول والرهبة في النفس. وكانت الأبواب التي تقبع أعلي سلالم الدور الثاني تبدو لي كأبواب عالم آخر مثير ومخيف في الوقت ذاته.
وقد أتيحت لي ذات مرة فرصة رؤية ما يكمن خلف تلك الأبواب السحرية. كانت إحدى خالاتي قد اعتزمت زيارة جيراننا في الدور الثاني، والذين كانوا أصحاب المنزل الذي يقع فيه بيت جدي، وكانوا أيضًا مسيحيين. لا أذكر إن كنت أنا من طلبت منها الصعود معها إلي أعلي أم هي التي عرضت عليَّ ذلك لكنني بالطبع كنت سعيدة بهذه الفرصة للاستكشاف. وأذكر أن البيت القابع خلف الباب لم يخيب أملي بل كان في نظري وأنا طفلة لا يقل رهبة وغرابة وجمالا عن السلالم المفضية إليه. إنني لا أذكر شيئًا الآن عن شكل "شقة" الجيران تلك، ولكنني أذكر أن الجدران كانت تعلوها صور وتماثيل تمثل مشاهدًا لمعارك دينية، وصور العذراء وصلب المسيح عليه السلام وغيرها من الصور والتماثيل التي توجد في كل بيت مسيحي تقريبًا، إلا إن تلك كانت المرة الأولي التي أشاهد فيها مثل هذه الصور والتماثيل، وأذكر أن أكثر ما جذب انتباهي كان صورة فيها حيوان خرافي ..ربما كان التنين الذي هزمه المارجرجس والذي نراه كثيرًا في اللوحة الشهيرة، إلا إن ذاكرتي للآن تحتفظ به في صورة مختلفة. إنها صورة أقرب لصورة القط البري وقد امتزج بحيوانات وطيور أخري وفتح فمه واتخذ جسده وضعًا ملتويًا فبدا متألمًا منتشيًا في الوقت نفسه. وأذكر أنني قد حلمت بتلك الصورة بعدها. لا زلت أذكر بعضًا من تفاصيل الحلم. كنت أصعد إلي أعلي في الظلام وكانت الجدران التي تحف بالسلم الذي كنت أصعده مزينة بصور غريبة من ضمنها صورة ذلك الحيوان المتألم المنتشي، وأذكر أن الحلم قد أثار في نفسي شيئًا كالخوف. في الواقع لم يكن خوفًا بل كان نوعًا من الرهبة اللذيذة والتي فاقت- كونها ابنة الحلم- الرهبة التي كان يثيرها المكان فيَّ في الحقيقة.
أذكر أنني بعد سنوات طويلة من تلك الأحداث- حين صرت في المرحلة الثانوية تقريبًا- رأيت صورة في قاموس المورد الكبير لأحد الوحوش الخرافية التي كانت جزءًا من الأساطير اليونانية، وقد كان هذا الوحش يشبه كثيرًا وحش أحلامي الذي رأيت مثاله في بيت جيراننا المسيحيين. كان الوحش اليوناني اسمه chimera
 ، وقد عرفت من القاموس أن اسم الوحش قد صار كلمة تستخدم في اللغة الإنجليزية بمعني: وهم يسبب للمرء خوفًا لا مبرر له، لكنني راجعت قاموسي الآن واكتشفت أن معناها حلم لا سبيل إلي تحقيقه لأنه ينتمي إلي عالم الخيال وحده.
أعود إلي الضوء والنزول من السماء والصعود إليها. كانت فكرة "فوق" و"تحت" دائمًا مرتبطة عندي بهذا العالم في مقابل العالم الآخر. إن الضوء يتنزل علينا بغباره الودود الهادئ من مساقط السطح المستطيلة في بيت جدي ونحن نائمون فوق البسطة الواسعة علي حصيرة من القش .. مستلقين علي ظهورنا ننظر إلي السماء من تلك المساقط الطولية. وكنت أفكر حينئذ في العالم الآخر البعيد الذي تنتمي إليه هذه السماء. وأحيانًا كان يحدث أن أجلس في نفس ذلك المكان وفي نفس الظروف وتكون جدتي رحمها الله جالسة أمامي تحكي لي قصصًا عجيبة. من أبرز تلك القصص حكايتها عن يوم القيامة وما سيحدث فيه وما سيعانيه الناس من أهوال، ثم مصير الطيبين وصعودهم إلي الجنة. وكنت أعتقد أن ذلك اليوم قريب وأن مجيئه لن يستغرق وقتًا طويلا وأن الصعود إلي الجنة سيكون من خلال مسقط الضوء المستطيل في سقف بيت جدي، وأننا سننتقل إلي الجنة بنفس الطريقة التي ينتقل بها الغبار في الضوء، لكننا سنصعد بينما الغبار يهبط.
وأذكر أن أغلب الأشياء الجميلة قد ارتبطت في مخيلتي بمشهد الضوء هذا. كانت جدتي معي أيضًا ذات مرة وكانت تحكي لي عن حفل تخرج خالي   المرتقب  وكيف أننا سنسافر إلي القاهرة لحضوره. وكنت سعيدة جدًّا وأنا أتخيل ما سيحدث، ولم أستطع تخيل أية صورة لطريقة انتقالنا من بلدنا إلي القاهرة سوي صورة النور أيضًا. سننتقل إلي القاهرة بذات الطريقة التي ينتقل بها الضوء.. يبدو أنني كنت صغيرة جدًّا آنذاك لأنني لا أذكر مطلقًا أنني تخيلت سيارة أو قطار في المشهد. كان انتقالنا من وجهة نظري سيتم بطريقة عجائبية. لم أكن أتخيل المشهد بدقة. لم أكن أحسب حساب المسافات أو الأحجام أو أي من هذه الأشياء المنطقية. كنت "أحس" بالعملية ولا أري تفاصيلها، وكنت أحس بالسعادة لإحساسي بها. وقد ظللت دائمًا قادرة علي الشعور بالأشياء وحسب. إنني لا أري الأشياء غالبًا بعيني وإنما بإحساسي، وإحساسي دائمًا يجنح إلي الخيال وينفر من التفاصيل إذا ما كانت غارقة في الواقعية بحيث لا تساعده علي ممارسة مهمته.
إلا إن هذا لا يعني أنني لم أكن قادرة علي الاستمتاع بالتفاصيل المميزة عند رؤيتها. بالعكس. كانت الرؤية بالنسبة لي –خاصةً في طفولتي- نوعًا من السحر في حد ذاتها. أناس كثيرون يستطيعون وصف الروائح والأصوات التي تسكن ذاكرتهم، لكنني في الواقع لا أذكر الكثير عن الروائح والأصوات. نافذتي علي العالم في تلك الفترة كانت ما أراه وما أتخيل أنني أراه.
وبالطبع لم يكن ما أراه كله جميلا، لكنني أذكر أن خيالي كان يضفي علي ما هو جميل جمالا إضافيا فيحوله إلي ما يشبه السحر. وكانت الرسوم بالذات هي التي تجذب انتباهي. أدركت لتوي أن الصور الحقيقية لم تكن فعلا تجذب انتباهي.. شأنها شأن الأصوات الحقيقية والروائح الحقيقية، بل كانت الرسوم دومًا هي ما يأسرني. وكانت سلطة تلك الصور المرسومة عليَّ لا تقتصر علي سلطة الجمال بل سلطة الرهبة والخوف أيضًا. مثلا أذكر أنني كنت أتصفح في طفولتي المبكرة جدًّا قصص مجموعة المكتبة الخضراء التي كان والدي قد اشتراها لي كي أقرأها حين أكبر، وبالطبع لم أكن أعرف القراءة لكنني كنت أجيد شرب الصور بعيني. وكان لصور قصص المكتبة الخضراء طابعًا فريدًا جعلها تصير عالمًا غامضًا يزورني في أحلامي. لا أدري للآن من كان يرسم هذه الرسوم، وقد أدركت بعد أن كبرت قليلا أنه ليس رسامًا واحدًا، لكن كلها كانت تنجح في أن تثير في نفسي ذلك الشعور بالرهبة والمتعة والحنين لعالم لا أعرفه. كانت أكثر الصور إثارةً لذعري- ولا زالت- هي تلك الصور التي أشعر أنها تنظر إليَّ مباشرةً.. لذلك كانت صور قصة "القداحة العجيبة" تخيفني أكثر من غيرها في صغري، وحين كبرت قليلا عرفت من أمي أنني سر الشخبطات البنفسجية التي كنت أراها فوق رسوم تلك القصة. قالت لي أمي أنني كنت أحاول أن أطمس عيون كلاب القصة.. تلك العيون الجاحظة المخيفة.
حين كبرت قليلا أدركت أن رسوم القداحة العجيبة مضحكة مقارنةً برسوم قصة "الرفيق المجهول". لم أكن أعرف الكثير عن القصة لكنني حين كبرت بحيث استطعت قراءتها أدركت أن الرهبة لا تكمن في الرسوم وحدها وإنما في القصة أيضًا. إنها قصة أشباح وجثث غير مدفونة ورؤوس مقطوعة. وكانت الرسوم ذات جودة عالية جدًّا ويلائم طابعها القاتم أحداث القصة.
كانت هناك أيضًا قصة جبل العجائب التي كانت صورة غلافها تبعث في نفسي شعورًا بالخوف. كانت صورة لفتاة يفترض أنها جميلة. لها عينان فاتحتا اللون وشعر أصفر طويل، وهي تلتفت خلفها وتنظر إلي الجبل الذي يعلوه طائر له ذيل طويل يمتزج بشعرها. كانت الصورة مخيفة بالنسبة لي كأغلب الصور والتماثيل التي أري فيها مثل ذلك الجمود والاختلاط بين الإنسان والحيوان أو الإنسان والشيء . وقد صارت تلك القصة تثير فيَّ المزيد من الانقباض حين عرفت أنها تحكي عن شقيقتين قد خانتا شقيقتهما وتسببتا في مقتلها!
كانت رسوم قصص المكتبة الخضراء التي تخيفني تزورني في أحلامي في صور أكثر إثارة للرعب من واقع تلك الرسوم. كنت أري الدنيا في أحلامي تظلم وأري ملامح فتيات القصص ممتزجة تشكل عدة وجوه تحيط بها الشعور الطويلة المتشابكة ولها نفس النظرة الجامدة الغامضة التي توحي بأن شيئًا ما مخيفًا يوشك أن يقع.. فأشعر أن الحلم قد تحول إلي كابوس وأصحو فزعة، إلا إنني بعد الصحو كنت أحس في نفسي شعورًا بالرهبة اللذيذة مشابهًا للشعور الذي كان يثيره فيَّ سلم الدور الثاني والكميرا الغامضة في منزل جدي.