
اليوم وقبل خروجي
إلي عملي وجدتني أتذكر- وبدون مقدمات- تلك الكروت التي كنت أجمعها وأنا في المرحلة
الثانوية. أين هي الآن؟ ماذا كان مصيرها؟ متي كانت آخر مرة رأيتها فيها؟ كيف اختفت
فجأة رغم أنها كانت مجموعة كبيرة وكنت أعتز بها وأخفيها حيث أخفي أشيائي العزيزة، وأخرجها
من حين لآخر للاطلاع عليها ثم إعادتها إلي مكانها وحسب؟ كيف فرطت فيها؟ وكيف يمكن
أن أنسي تمامًا كيف انتهي أمري معها وأعجز عن تذكر نهاية قصتها معي إلي هذا الحد؟
لا أذكر أيضًا متي
بدأت هذه الهواية في إثارة اهتمامي، لكنني أذكر جيدًا شكل الكروت العزيزة تلك.
كانت من النوع الذي يسمونه "بوستال"، وكنت في طفولتي أعتقد لسبب ما أن
البوستال هو خامة صناعة تلك الكروت مثلا، إلي أن اكتشفت – بعد أن كبرت كثيرا- أن
بوستال تعني أن هذه الكروت يتم إرسالها عن طريق البريد أو البوسطة كما نسميها في
مصر. تري هل لا زالت تلك الكروت تباع في المكتبات كما كان يحدث أيام كنت أنا في
المرحلة الثانوية؟ والأهم من ذلك: هل كان أحد سواي يهتم بشراء هذه الكروت؟ أذكر
أنني كنت كلما ذهبت إلي بائع وجدتها في الفاترينة التي كنا نسميها بالبنك لسبب لا
أعرفه، والتي صارت مع الزمن تعرف بالكاونتر. كانت الكروت تبدو وحيدة حزينة تفتقر
إلي الاهتمام، ولم يكن ذلك شعورًا من جانبي وحسب بل كان حقيقة، فبينما كانت كروت
المعايدة التي تحمل صورًا لكعكات عيد ميلاد أو صورة لعروسين يضحكان أو منظر جميل
مرسوم لفتاة وفتي يحبان بعضهما البعض وتبدو القلوب والنجوم حولهما- أقول بينما
كانت تلك الكروت البهيجة موضوعة دائمًا في الصدارة، خلف البائع، بحيث يسهل عليه
تناولها من مكانها وعرضها علي رواد متجره ممن يرغبون في الخلاص من آخر خطوة في
مهمة شراء الهدية تمهيدًا لأداء واجب اجتماعي ثقيل يتمثل في حضور عيد ميلاد أو
زيارة عروسين جدد، كانت كروتي العزيزة دائما ملقاة داخل البنك / الكاونتر، وقد
أطلت من خلف زجاجه بوجوه تكاد تكون كالحة، إذ تغطيها الأتربة غالبًا، وأحيانا أشياء
أخري كان أهالينا يقولون لنا دائما إنها براز الذباب. من يشتري هذه الكروت حقا
سواي؟ إنها كروت لا تضم أي من تلك المناظر البهيجة التي يفترض أن تمثل أمنية
للعروسين أو للمولود الجديد أو صاحب عيد الميلاد، بل كانت تضم مناظر لآثارنا
الفرعونية، وفي الخلف تعليق بخط صغير- بالعربية والإنجليزية - يوضح هوية الأثر
الموجود علي الكارت، ومكان وجوده. إنها تلك الكروت التي يراها المسافرون معروضة في
المطار بأسعار خيالية، لكن إذا كان من الطبيعي وجودها في المطار أو خان الخليلي أو
الأقصر وأسوان فمن الغريب أن توجد في مدينتنا الصغيرة. حقا من كان صاحب فكرة
شرائها؟ هل كان الباعة يأخذونها لأنها – مثلا – تقلل ثمن "البيعة"، ثم
يلقونها في إهمال حيث تقبع في انتظاري؟
لكنني كنت مفتونة
بهذه الكروت. أنا منذ زمن بعيد مفتونة بالتاريخ الفرعوني، تحديدًا منذ عمر الحادية
عشرة تقريبًا. كنت حينئذ قد عرفت الطريق إلي عالم الفراعنة العجيب والفاتن من خلال
القراءة، ولم تكن تلك قراءة مكثفة أو ذات طابع علمي متخصص بالطبع، بل كان قراءاتي
تتلخص في تلك الكبسولات اللذيذة التي كانت تقدمها مجلتي الحبيبة "سمير"
في الصفحة الأولي علي هيئة عمود رفيع مواز لافتتاحية العدد التي تكتبها- بالطبع-
ماما لبني. كانت المقالات تكتب بأسلوب مبسط وشيق ، ومعها دائمًا صورة. منها عرفت
مثلا أن لفظة فرعون لم تكن معروفة قبل الدولة الحديثة وأن أصلها "بر-عا"
بمعني قصر الملك، ثم تحولت مع الزمن لتعني الملك نفسه. عرفت منها أيضًا أن أول
عملية جراحية أجريت في الدماغ كانت في مصرنا القديمة، وأن الذي أجراها- ويا للعجب-
كان فلاحًا شكا زميله من شيء ما برأسه فتطوع بإجراء العملية له. شيء غريب لكن لا
شيء غريب علي الفراعنة. الغريب حقَّا هو أننا أحفادهم.
أذكر أيضًا في
مرحلة سابقة علي هذا أن قرأت قصة اسمها "جندي يعود". كنت قد قرأتها في
مكتبة النادي الصيفي في مدينتي، وكانت تحكي عن جندي فرعوني قتل في معركة لكن روحه
تعود إلي الأرض لسببٍ ما، أو ربما كان الكتاب يتحدث عن رحلة روحه إلي السماء.. لا
أذكر. كل ما أذكر أنه كان كتابا مؤثرا جدا، علي الأقل في نظري كطفلة في حوالي
العاشرة من عمرها. أذكر أنني بالفعل فتنت بالتاريخ الفرعوني في ذلك الوقت وبدأت
أتتبع كل ما يتاح لي –في دائرتي الضيقة- من قراءات عنه. أذكر أنني كنت أتمني بشدة
أن أمتلك القدرة علي السفر عبر الزمن، وأذكر أنني كنت أومن وقتئذ بأن كل شيء ممكن.
لا أدري أيضًا من أين جئت بهذا الإيمان رغم أن أغلب ما كنت أريده لم يكن يتحقق (
علي بساطته) إلا في أندر الأحيان ، لكنني كنت مؤمنة-إيمان البسطاء- بأن الأشياء
الكبيرة المعجزة يمكن أن تحدث إذا ما أردناها بشدة. هكذا قضيت الإجازة الصيفية
بأكملها أقرأ عن التاريخ الفرعوني وأغمض عيني وأتمني أن أجد نفسي حين أفتحهما قد
عدت إلي زمن الفراعنة، وبداخلي يقين أنني سأفتح عيني لأجدني بالفعل هناك!
في تلك الفترة
أيضًا وقع في يدي كتاب قديم اكتشفت بسؤال المحيطين أنه كان مقررًا علي والدي في
المرحلة الثانوية. لم يكن للكتاب غلاف، وكانت أوراقه صفراء شأن كل الكتب التي كنت
أجدها في منزلنا، وكان يحكي عن كليوباترا، لكن ليس كليوباترا التي نعرفها. لم يكن
هناك قيصر ولا أنطونيو ولا أكتيوم ولا قيصرون ولا أغسطس. بل كانت هناك كليوباترا
الملكة المعتدية التي اعتلت عرش مصر دون حق، لكونها بطلمية لا مصرية، وهناك الأمير
المصري هارماكيس ( ولا أدري كيف يكون مصريا واسمه هارماكيس، لكن هكذا الغرب حين
يكتب عن الشرق دائما، فالرواية كانت بقلم كاتب أجنبي). كان هارماكيس محبطا مهزوما يحلم باستعادة أمجاد
أبائه وأجداده القدماء، ومن حوله الكهنة وبقايا العائلات الأرستقراطية المصرية
التي احتل البطالمة مكانها، يشجعونه ويحثونه ويحرضونه علي الخلاص من كليوباترا.
وكان هارماكيس يحب كليوباترا، تلك الـ femme
fatale التقليدية،
بسحرها الرهيب ، ومكرها وغنجها، وقدرتها علي جعله يكره نفسه ولا يكرهها. الرواية
لم تكن دقيقة تاريخيا كما هو واضح وكما أدركت بمجرد أن بدأت الاندماج في أحداثها،
لكنها كانت ممتعة مليئة بالشجن وهي ترصد شعور هارماكيس الحزين بأن كل شيء قد ضاع
وأنه لم يعد ابنًا للإله، وكذلك صراعه النفسي الذي يعانيه في مواجهة الجميلة
الظالمة المستغلة كليوباترا، وذلك الحب المبطن بالكره الذي يشده إليها. أما أمتع
ما في الرواية بحق فكان تلك المشاهد التي يرسمها الكاتب لمصر القديمة، والتي تعج
أيضًا بالأخطاء التاريخية لكنها تخلق جوا شاعريًّا رائعًا. دائما يخلط كتاب الغرب
الأمور ببعضها فيجعلون الهرم يقف إلي جوار النيل، وتماثيل أبي الهول المجنح إلي
جوارهما، لكنه خلط جميل ، خاصةً إذا ما كان القمر يرسل شعاعه الفضي فيغمر كل هذا،
بينما هارماكيس وكليوباترا أسفل هرم منقرع، وكليوباترا تتحدث، أو تهذي ، وقد أسندت
رأسها إلي ركبتي هارماكيس، عن كنز جدها منقرع المدفون في صدر موميائه داخل الهرم،
ثم مشهد النهاية حيث كليوباترا تهذي وهارماكيس إلي جوارها، والقمر فوقهما.
هارماكيس سعيد حزين، سعيد لانتقامه من كليوباترا المتسلطة المتعجرفة اللصة وقرب
استعادته عرشه، وحزين لأنه يعلم أنه فقدها للأبد حين وافق أن يدس لها السم في كأس
النبيذ الذي ناوله لها في تلك الأمسية القمرية الساحرة. مشهد يشبه ذلك المشهد
الشهير في رائعة الطيب صالح "موسم الهجرة إلي الشمال"، حيث تعلم الزوجة
الأجنبية أن لقاءها المحموم مع زوجها .. مع الشرق.. فيه هلاكها، لكنها تمضي إليه
حتي النهاية، وتستعذب النصل وتنتشي بالدماء المنبثقة من جسدها الفاتن.
كنت في هذه
المرحلة أضفي طابعا مثاليا علي التاريخ الفرعوني. كنت كأنني مستشرقة تري في عالم
الفراعنة عالمًا أسطوريا مثاليا وغذاءً للخيال. لا زلت أهوي التاريخ الفرعوني
لكنني لا أستطيع أن أتغافل عن كل تلك المظالم التي عاشها أجدادي في أيامهم تلك.
وأنا أعلم أن أجدادي لم يكونوا ملوكًا.. أجدادي بالطبع كانوا فقراء.. و كان غذاؤهم
الخبز والجعة.. بنوا الهرم كي يجد الفرعون طريقه للخلود، بينما انتهوا هم في حفر
مجهولة لأنهم ليسوا أبناء رع أو آمون. لا زلت أهوي التاريخ الفرعوني لكنني أقرؤه
الآن من زاوية مختلفة تمامًا، خاصة ً فيما يتعلق بالقصص التي نعتبرها كمصريين
مدعاة خاصة للفخر، كقصة أخناتون والتوحيد، لكن لهذا قصة أخري.
