Wednesday, September 9, 2015

أقدم ذكرياتي


ما هي أقدم ذكرياتي؟ أعتقد أنها ذلك اليوم الذي أتذكره ملفوفًا في ضياء الشمس ، بالمعني الحرفي للكلمة. أذكر أنني كنت أتجول يومها في المنزل وكنت أشعر وكأنني أتحرك بالتصوير البطيء أو كما يتحرك رائد الفضاء مثلا. كان إحساسي يومها أنني أستكشف ذلك المنزل وأنه جديد عليَّ لسبب ما. ربما لأن شكله يومها فعلا كان يختلف عن شكله في الأيام السابقة. لكنني لا أتذكر الأيام السابقة علي هذا اليوم. إنه مجرد إحساس فقط.
المهم كنت في ذلك اليوم أسير في المنزل وكأنني أسير فوق سحاب .. لا أدري لماذا. وكان المنزل نظيفًا جدًّا وأذكر أنني لم أكن أري أحدًا حولي. لا أدري لماذا؟ لا يعقل أبدًا أنني كنت وحدي في هذه السن. ربما كانت أمي وقتها في المطبخ، أو في حجرة أخري مع خالاتي.. ربما كانت قد أنجبت لتوها شقيقتي التي تليني مباشرة في الترتيب وكانت تنام في الحجرة الأخرى. ربما.
كانت قطعة الأثاث التي كنا نعرفها باسم الشوفونيرة  موجودة في غرفة نوم أبي وأمي، وهي الغرفة التي كان لها سحرها الفريد في نظري. ربما لطلاء جدرانها الأحمر وإضاءتها الخافتة، وربما بسبب تلك النافذة المطلة علي "مسقط نور" أو "منور" تابع لشقتنا. كان هذا المنور يطل مفتوحًا بطبيعة الحال علي صفحة السماء، ولم تكن الشمس تأتينا منه قاسية عنيفة مباشرة بل كانت تدخل من تلك النافذة فتتهذب ويتحول شعاعها إلي نور صافٍ لا حرارة فيه.. أو فيه حرارة حانية تدفئ النفس والقلب وتبعث في الروح ما يشبه الحنين إلي عالم آخر.. عالم ربما تواجدنا فيه يومًا ما في الماضي، قبل وجودنا المادي علي هذه الأرض. كان ضوء الشمس يسقط بشكل مائل فوق السطح اللامع المصقول للشوفونيرة النظيفة (كان السطح من فورمايكا لونها بني)، وربما كانت كلمة "يسقط" غير مناسبة لالتقاء الضوء بسطح قطعة الأثاث الجميلة تلك. لم يكن الضوء يسقط في واقع الأمر بل كان.. "يتنزل"، ببطء وسلام في هيئة متوازي  أضلاع أبيض مائل إلي الاصفرار، تسبح في كيانه المضيء ملايين من ذرات الغبار التي كانت تبدو لي وقتها سعيدة منتشية بشعور استثنائي  بالأمان. كان ذلك واضحًا في بطء حركاتها وهي تنتقل من أعلي إلي أسفل. كان هدوء تلك الذرات ومزاجها الرائق وهي تتابع رحلتها إلي سطح الشوفونيرة هي ما يوحي بأن الضوء يتنزل من السماء.
وظل هذا المشهد طوال طفولتي يرتبط بفكرة النزول من السماء والصعود إليها. أذكر أنني كنت أري نفس المشهد مرات كثيرة بعد أن كبرت قليلا وإن كنت لا أزال وقتئذ طفلة. كان ذلك في بيت جدي، وكان المشهد أروع، ذلك أنني لم أكن في بيت جدي أري الضوء المتنزل من السماء وذرات الغبار السابحة في اطمئنان فيه من نافذة مهما كبر حجمها فهي مجرد نافذة صغيرة، وإنما كان الضوء يتنزل علينا مباشرة من فتحات طولية عالية تشكل سقف المساحة الخارجية من بيت جدي، والتي كانت بدورها عبارة عن خمس درجات نصل بعدها إلي مساحة عريضة نوعًا ما بحيث تكفي مثلا لجلوس خمسة أشخاص فوقها، وكانت هذه المساحة تؤدي إلي سلالم الدور الثاني والتي كنا نراها ونحن جالسون فوق تلك "البسطة" أمامنا ، ولم تكن سلالم الدور الثاني تلك مستخدمة بل كان للجيران سلم آخر خارجي يصعدون عليه وينزلون دون إزعاج لسكان الطابق الأول، وهكذا كان السلم المفضي إلي الطابق الثاني ملكًا لنا نحن الأطفال وجزءً من ملعبنا. وكانت المساحة التي لا نراها من درجات الدور الثاني- أي تلك الدرجات التي تختفي صعودًا خلف الدرابزين المؤدي لأعلي- تطلق خيالنا فكنا نراها كأرض مجهولة وكنا نسعد كثيرًا حين يسمحون لنا بالصعود إليها، أو بمعني أصح حين كنا نغافلهم ونغامر بالصعود إلي هناك. كانوا دائما يمنعوننا من ذلك لأن ذلك المكان قذر، وأذكر أن تلك السلالم العلوية غير التابعة لمنطقة نفوذ بيت جدي كانت فعلا ملوثة ببراز القطط والفئران  كما كان التراب يعلوها دائمًا.. لكن مثل ذلك الاكتشاف لم يكن ليمنعنا أبدًا من النظر إلي ذلك المكان وكأنه جزء من أسطورة. كان مكانًا يثير الفضول والرهبة في النفس. وكانت الأبواب التي تقبع أعلي سلالم الدور الثاني تبدو لي كأبواب عالم آخر مثير ومخيف في الوقت ذاته.
وقد أتيحت لي ذات مرة فرصة رؤية ما يكمن خلف تلك الأبواب السحرية. كانت إحدى خالاتي قد اعتزمت زيارة جيراننا في الدور الثاني، والذين كانوا أصحاب المنزل الذي يقع فيه بيت جدي، وكانوا أيضًا مسيحيين. لا أذكر إن كنت أنا من طلبت منها الصعود معها إلي أعلي أم هي التي عرضت عليَّ ذلك لكنني بالطبع كنت سعيدة بهذه الفرصة للاستكشاف. وأذكر أن البيت القابع خلف الباب لم يخيب أملي بل كان في نظري وأنا طفلة لا يقل رهبة وغرابة وجمالا عن السلالم المفضية إليه. إنني لا أذكر شيئًا الآن عن شكل "شقة" الجيران تلك، ولكنني أذكر أن الجدران كانت تعلوها صور وتماثيل تمثل مشاهدًا لمعارك دينية، وصور العذراء وصلب المسيح عليه السلام وغيرها من الصور والتماثيل التي توجد في كل بيت مسيحي تقريبًا، إلا إن تلك كانت المرة الأولي التي أشاهد فيها مثل هذه الصور والتماثيل، وأذكر أن أكثر ما جذب انتباهي كان صورة فيها حيوان خرافي ..ربما كان التنين الذي هزمه المارجرجس والذي نراه كثيرًا في اللوحة الشهيرة، إلا إن ذاكرتي للآن تحتفظ به في صورة مختلفة. إنها صورة أقرب لصورة القط البري وقد امتزج بحيوانات وطيور أخري وفتح فمه واتخذ جسده وضعًا ملتويًا فبدا متألمًا منتشيًا في الوقت نفسه. وأذكر أنني قد حلمت بتلك الصورة بعدها. لا زلت أذكر بعضًا من تفاصيل الحلم. كنت أصعد إلي أعلي في الظلام وكانت الجدران التي تحف بالسلم الذي كنت أصعده مزينة بصور غريبة من ضمنها صورة ذلك الحيوان المتألم المنتشي، وأذكر أن الحلم قد أثار في نفسي شيئًا كالخوف. في الواقع لم يكن خوفًا بل كان نوعًا من الرهبة اللذيذة والتي فاقت- كونها ابنة الحلم- الرهبة التي كان يثيرها المكان فيَّ في الحقيقة.
أذكر أنني بعد سنوات طويلة من تلك الأحداث- حين صرت في المرحلة الثانوية تقريبًا- رأيت صورة في قاموس المورد الكبير لأحد الوحوش الخرافية التي كانت جزءًا من الأساطير اليونانية، وقد كان هذا الوحش يشبه كثيرًا وحش أحلامي الذي رأيت مثاله في بيت جيراننا المسيحيين. كان الوحش اليوناني اسمه chimera
 ، وقد عرفت من القاموس أن اسم الوحش قد صار كلمة تستخدم في اللغة الإنجليزية بمعني: وهم يسبب للمرء خوفًا لا مبرر له، لكنني راجعت قاموسي الآن واكتشفت أن معناها حلم لا سبيل إلي تحقيقه لأنه ينتمي إلي عالم الخيال وحده.
أعود إلي الضوء والنزول من السماء والصعود إليها. كانت فكرة "فوق" و"تحت" دائمًا مرتبطة عندي بهذا العالم في مقابل العالم الآخر. إن الضوء يتنزل علينا بغباره الودود الهادئ من مساقط السطح المستطيلة في بيت جدي ونحن نائمون فوق البسطة الواسعة علي حصيرة من القش .. مستلقين علي ظهورنا ننظر إلي السماء من تلك المساقط الطولية. وكنت أفكر حينئذ في العالم الآخر البعيد الذي تنتمي إليه هذه السماء. وأحيانًا كان يحدث أن أجلس في نفس ذلك المكان وفي نفس الظروف وتكون جدتي رحمها الله جالسة أمامي تحكي لي قصصًا عجيبة. من أبرز تلك القصص حكايتها عن يوم القيامة وما سيحدث فيه وما سيعانيه الناس من أهوال، ثم مصير الطيبين وصعودهم إلي الجنة. وكنت أعتقد أن ذلك اليوم قريب وأن مجيئه لن يستغرق وقتًا طويلا وأن الصعود إلي الجنة سيكون من خلال مسقط الضوء المستطيل في سقف بيت جدي، وأننا سننتقل إلي الجنة بنفس الطريقة التي ينتقل بها الغبار في الضوء، لكننا سنصعد بينما الغبار يهبط.
وأذكر أن أغلب الأشياء الجميلة قد ارتبطت في مخيلتي بمشهد الضوء هذا. كانت جدتي معي أيضًا ذات مرة وكانت تحكي لي عن حفل تخرج خالي   المرتقب  وكيف أننا سنسافر إلي القاهرة لحضوره. وكنت سعيدة جدًّا وأنا أتخيل ما سيحدث، ولم أستطع تخيل أية صورة لطريقة انتقالنا من بلدنا إلي القاهرة سوي صورة النور أيضًا. سننتقل إلي القاهرة بذات الطريقة التي ينتقل بها الضوء.. يبدو أنني كنت صغيرة جدًّا آنذاك لأنني لا أذكر مطلقًا أنني تخيلت سيارة أو قطار في المشهد. كان انتقالنا من وجهة نظري سيتم بطريقة عجائبية. لم أكن أتخيل المشهد بدقة. لم أكن أحسب حساب المسافات أو الأحجام أو أي من هذه الأشياء المنطقية. كنت "أحس" بالعملية ولا أري تفاصيلها، وكنت أحس بالسعادة لإحساسي بها. وقد ظللت دائمًا قادرة علي الشعور بالأشياء وحسب. إنني لا أري الأشياء غالبًا بعيني وإنما بإحساسي، وإحساسي دائمًا يجنح إلي الخيال وينفر من التفاصيل إذا ما كانت غارقة في الواقعية بحيث لا تساعده علي ممارسة مهمته.
إلا إن هذا لا يعني أنني لم أكن قادرة علي الاستمتاع بالتفاصيل المميزة عند رؤيتها. بالعكس. كانت الرؤية بالنسبة لي –خاصةً في طفولتي- نوعًا من السحر في حد ذاتها. أناس كثيرون يستطيعون وصف الروائح والأصوات التي تسكن ذاكرتهم، لكنني في الواقع لا أذكر الكثير عن الروائح والأصوات. نافذتي علي العالم في تلك الفترة كانت ما أراه وما أتخيل أنني أراه.
وبالطبع لم يكن ما أراه كله جميلا، لكنني أذكر أن خيالي كان يضفي علي ما هو جميل جمالا إضافيا فيحوله إلي ما يشبه السحر. وكانت الرسوم بالذات هي التي تجذب انتباهي. أدركت لتوي أن الصور الحقيقية لم تكن فعلا تجذب انتباهي.. شأنها شأن الأصوات الحقيقية والروائح الحقيقية، بل كانت الرسوم دومًا هي ما يأسرني. وكانت سلطة تلك الصور المرسومة عليَّ لا تقتصر علي سلطة الجمال بل سلطة الرهبة والخوف أيضًا. مثلا أذكر أنني كنت أتصفح في طفولتي المبكرة جدًّا قصص مجموعة المكتبة الخضراء التي كان والدي قد اشتراها لي كي أقرأها حين أكبر، وبالطبع لم أكن أعرف القراءة لكنني كنت أجيد شرب الصور بعيني. وكان لصور قصص المكتبة الخضراء طابعًا فريدًا جعلها تصير عالمًا غامضًا يزورني في أحلامي. لا أدري للآن من كان يرسم هذه الرسوم، وقد أدركت بعد أن كبرت قليلا أنه ليس رسامًا واحدًا، لكن كلها كانت تنجح في أن تثير في نفسي ذلك الشعور بالرهبة والمتعة والحنين لعالم لا أعرفه. كانت أكثر الصور إثارةً لذعري- ولا زالت- هي تلك الصور التي أشعر أنها تنظر إليَّ مباشرةً.. لذلك كانت صور قصة "القداحة العجيبة" تخيفني أكثر من غيرها في صغري، وحين كبرت قليلا عرفت من أمي أنني سر الشخبطات البنفسجية التي كنت أراها فوق رسوم تلك القصة. قالت لي أمي أنني كنت أحاول أن أطمس عيون كلاب القصة.. تلك العيون الجاحظة المخيفة.
حين كبرت قليلا أدركت أن رسوم القداحة العجيبة مضحكة مقارنةً برسوم قصة "الرفيق المجهول". لم أكن أعرف الكثير عن القصة لكنني حين كبرت بحيث استطعت قراءتها أدركت أن الرهبة لا تكمن في الرسوم وحدها وإنما في القصة أيضًا. إنها قصة أشباح وجثث غير مدفونة ورؤوس مقطوعة. وكانت الرسوم ذات جودة عالية جدًّا ويلائم طابعها القاتم أحداث القصة.
كانت هناك أيضًا قصة جبل العجائب التي كانت صورة غلافها تبعث في نفسي شعورًا بالخوف. كانت صورة لفتاة يفترض أنها جميلة. لها عينان فاتحتا اللون وشعر أصفر طويل، وهي تلتفت خلفها وتنظر إلي الجبل الذي يعلوه طائر له ذيل طويل يمتزج بشعرها. كانت الصورة مخيفة بالنسبة لي كأغلب الصور والتماثيل التي أري فيها مثل ذلك الجمود والاختلاط بين الإنسان والحيوان أو الإنسان والشيء . وقد صارت تلك القصة تثير فيَّ المزيد من الانقباض حين عرفت أنها تحكي عن شقيقتين قد خانتا شقيقتهما وتسببتا في مقتلها!
كانت رسوم قصص المكتبة الخضراء التي تخيفني تزورني في أحلامي في صور أكثر إثارة للرعب من واقع تلك الرسوم. كنت أري الدنيا في أحلامي تظلم وأري ملامح فتيات القصص ممتزجة تشكل عدة وجوه تحيط بها الشعور الطويلة المتشابكة ولها نفس النظرة الجامدة الغامضة التي توحي بأن شيئًا ما مخيفًا يوشك أن يقع.. فأشعر أن الحلم قد تحول إلي كابوس وأصحو فزعة، إلا إنني بعد الصحو كنت أحس في نفسي شعورًا بالرهبة اللذيذة مشابهًا للشعور الذي كان يثيره فيَّ سلم الدور الثاني والكميرا الغامضة في منزل جدي.
قصة سندريللا كانت تثير فيَّ شعورًا خالصًا بالجمال، برسومها دقيقة التفاصيل التي تبدو بالفعل منتمية إلي عالم آخر، وإن كان عالمًا أرضيًّا يختلف عن عالم مساقط النور وذرات الغبار الوادعة. كانت أشكال القبعات المنمنمة وصناديقها الضخمة وزركشات فساتين سندريللا وأنصاف شقيقاتها الشريرات، والعربة الأنيقة العتيقة التي كانت ثمرة قرع عسل ضخمة، كلها أشبه بالرسوم التي كنت أراها علي علب البونبون في منزلنا في طفولتي.. رسوم أنيقة للغاية كانت تجعلني أناقتها أتمني أن أمد يدي فأمسك أي تفصيلة منها بيدي وأحتفظ بها لنفسي. كان منظر الدعوة التي أرسلها الأمير إلي منزل سندريللا تحديدًا يأخذ الكثير من وقتي فكنت أتوقف أمام الدعوة المرسومة باللونين الأبيض والأسود والتي تبدو منمنمة أنيقة جدا حتي أكاد أشم رائحة عطر فاخر تفوح منها، وكان رمز التاج أعلي الدعوة يسترعي انتباهي كثيرًا وأجد لذة كبيرة في تأمله.
وكان منظر الأوراق والكتب والكتابات يثير في نفسي لذة غامضة، وكنت أحلم باليوم الذي أجيد فيه القراءة.
أذكر أن أحب مشهد إلي نفسي من مشاهد كارتون سنووايت، الذي كان لدينا علي شريط فيديو في طفولتي، هو المشهد الذي تقوم فيه الساحرة بقراءة التعويذة التي ستجعل التفاحة مسمومة. لا أستطيع أن أنسي أبدًا الطابع الفريد للكتابة.. تلك الحروف الإنجليزية الغريبة والمزركشة فوق صفحة مصفرة في كتاب ضخم له غلاف سميك أحمر، وأصبع الساحرة الطويل النحيل المتغضن وهو يمر ببطء فوق الكلمات، وصوتها النحيل المتغضن بدوره وهي تقرأ مع كل حركة من حركات أصبعها كلمة.. كلمة واحدة في كل مرة. هذا هو السحر إذن؟ القراءة هي السحر إذن؟ نعم. كان هذا شعوري. وأي سحر أكبر من أن يتحول الحبر إلي رسوم غريبة تتحول بدورها إلي أصوات ثم أفعال؟ ثم منظر التفاحة وقد حملتها الساحرة في المغرفة التي نطلق عليها اسم كبشة لتضعها في قدر هائل يفور ويغلي برغوة بيضاء ثم تقوم بإخراج التفاحة وقد صارت لامعة وكأنها خدها هو سطح مرآة مصقولة. لم أكن أحب التفاح كثيرًا وقتها ولم أكن آكل سوي قشرته الخارجية بسبب طعمها اللاذع الذي كنت أحبه، لكن منظر تلك التفاحة كان شيئًا استثنائيًّا. كان لذيذًا كالمشهد كله. المفترض أنه كان مشهدًا مخيفًا لكن صورة الحروف والطريقة التي كانت الساحرة تستخدم بها أصبعها في القراءة كل هذا كان يجعل للمشهد كله سحرًا استثنائيا يجعلني راغبة في التهام هذه التفاحة الغريبة والتهام الحروف الغريبة أيضًا. نعم. ظلت القراءة والكتابة مرتبطة عندي دائمًا بفكرة الغذاء. أعلم أن الفكرة قد تبدو كليشيه لكنها في حالتي حقيقة ولا أجد سببًا للتأنق والادعاء في الكتابة لنفسي.
منذ ذلك الحين وهذا الثنائي يبهرني: ثنائي الحرف والرسم، الذي يمتزج أحيانًا كما يتحد آلهة الفراعنة في إله واحد له قدرات آلهة عدة فيصير الحرف في حد ذاته رسمًا جميلا أجد متعة في النظر إليه. إن الكتابة ما هي إلا رسم للحروف عمومًا ولكن كما أن اللوحات تختلف في درجة جودتها فإن الحروف المرسومة كذلك ليس لها جميعًا نفس السحر. حروف كتاب الساحرة الشريرة ساحرة.. لأنها مرسومة برشاقة غريبة ولأنها تمثل لغة غريبة لا ينتظر أن أعرفها في القريب العاجل وإن ظللت أتعجل معرفتها... وحروف قصص المكتبة الخضراء للأطفال ساحرة لكنها رصينة تطمئنني حركاتها وامتداداتها وانحناءاتها إلي أنه لن يمضي وقت طويل قبل أن أستطيع قراءتها بنفسي، والدليل كتاب تعليم القراءة الصغير المتواضع الطباعة والذي يبدو وكأنه يحوي وحده كل السحر إذ تقسم أمي أنه نفس الكتاب الذي تعلمت منه القراءة وربما كان أيضًا نفس الكتاب الذي تعلم منه أبوها القراءة. الكتاب متواضع فعلا فورقه أصفر والطباعة عليه بالأبيض والأسود- أو الأصفر والأسود- واللون الوحيد فيه هو لون وردة مرسومة قرب الصفحات الأخيرة. ربما وجدها واضع الكتاب أجمل من أن تظل بلا لون فمنحها لمسات من الأحمر. كان نمط الخط في ذلك الكتاب يشبه نمط الخط الذي أكتب به الآن. لا أعرف اسم ذلك الخط لكنني أعشقه وفرحت كثيرًا حين وجدته في برنامج الوورد. هو نفس خط كتابي المدرسي الأول.. كتاب القراءة الأول.. أمل وعمر.. سحر من نوع آخر.
وسحر من نوع ثالث كنت أجده في رسوم الكاريكاتير في مجلات صباح الخير التي كانت تملأ بيت جدي. رسوم حجازي.. خاصةً الفتيات مرتديات الميني بمؤخراتهن المستديرة وسيقانهن الملفوفة وعيونهن الواسعة المليئة بالدلع، ورؤوسهن وقد مالت إلي الجانب في دلال  لتسترخي وجوههن-مؤقتًا- فوق شلال شعورهن الذي كان حجازي يرسمه متدفقًا في تعرج تمامًا كما كان قدماء المصريين يصورون الماء، أو كشعر الملكة تي وملكة أخري لا أذكر اسمها لكنني أذكر كم كان جميلا تمثالها بشعره الطويل الشبيه بنهر تجيش مياهه ثم تنخفض لتعود إلي الارتفاع والجيشان ثانية  وهكذا. زجزاج لا  نهائي.
وسحر رسوم صلاح جاهين الذي كان قد توفي آنذاك وكانت المجلة تنشر ملفًّا خاصًّا عنه في ذكراه.. رسومه الأنيقة الcute التي تبدو خطوطها دائمًا مستقيمة كأنها رسمت بالمسطرة، بعكس خطوط حجازي المكتنزة الدائرية.. ووجوه شخصياته التي تبدو دائمًا كوجوه الأطفال.. ربما كوجهه. كنت قد كبرت حينذاك بما فيه الكفاية للخجل من رسومه عن آدم وحواء اللذين لا يكسو جسديهما سوي ورقة التوت، والنقاش مع أمي عما إذا كانت هذه الرسوم حرامًا. لا أذكر إجابة أمي لكنني أذكر إجابات كثيرة تلقيتها تعلمت منها التسامح مع الفن الجميل باعتباره ينتمي لعالم لا يخضع لمعاييرنا بل يراه الله- الفنان الأعظم- بعين غير عيوننا المحدودة النظرة.
إن الكلمة مرتبطة عندي دومًا بالرسم. رسم الكلمة سحر.. والرسم المصاحب للكلمة سحر.. وكلاهما طبع طفولتي بطابعها الغامض الغريب الأشبه بالحلم. كلاهما كان أحلي ما في طفولتي.





No comments:

Post a Comment